محمد عثمان: الإصابة بالسرطان محنة يعقبها منحة
لم يكن تشخيص الشاب السوداني محمد عثمان ذو الحادي والعشرين ربيعا بسرطان الغدد اللمفاوية مجرد خبر طبي عابر، بل كان بمثابة بداية جديدة، أو لنقل ولادة ثانية، فرغم الألم الذي مزّق جسده، والمعاناة التي أثقلت روحه، كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل عميقة في مسار حياته، نعم، تأثرت نتيجته في المرحلة الثانوية، وتبدّدت أحلامه الأولى.
لكن المرض منحه ما هو أثمن، إذ منحه نضجاً مبكراً، وحكمة لا تأتي إلا عبر الألم، وبصيرة جعلته يرى النعم التي كان يغفل عنها والأهداف التي يرجو تحقيقها.
يروي محمد عثمان حكايته قائلاً: أنا طالب في كلية التمريض بالجامعة الوطنية بالسودان ، وُلدت في ولاية الجزيرة، ونشأت بين شوارع الخرطوم وأحلامها، أسرتي ما زالت تقيم هناك، أما والدي فقد قضى معظم سنوات عمره مغتربًا في قطر، ورغم أن تعليمي كله كان في السودان، إلا أنني عشت فصولاً عديدة من حياتي متنقلاً بين وطني والدوحة.
عام من الآلام بلا تشخيص
بعد تخرجي من المرحلة الثانوية والتحاقي بالجامعة في عام 2021، كان المرض قد داهمني، وكانت بداية الألم متزامنة مع ضغوطات الشهادة الثانوية تلك المرحلة التي تُنهك الجميع، لكن وقعها على نفسي كان أكثر قسوة.
لم تكن البداية واضحة، فلم يُشخّص المرض في بادئ الأمر، إذ بدت الأعراض بسيطة، ومع مرور الوقت بدأت الأوجاع تتسلل إلى جسدي شيئاً فشيئاً، حتى غطت أيامي كلها. عام كامل تنقلت فيه بين العيادات والتقارير الطبية، دون جواب شافٍ.
ومع أن المرض كان يتقدم خلسة، والحياة تتوقف أحيانًا من شدة ما أُكابده، إلا أن الأطباء في السودان لم يصلوا إلى التشخيص الدقيق. كل ذلك وأنا طالب أحمل بين يديّ حلمًا كبيرًا بالدخول إلى كلية الطب، حلم بدأ يتلاشى أمام عيني شيئاً فشيئاً.
في نهاية عام 2022، بلغ الإنهاك الجسدي أقصاه، وتضاعف التعب حتى عجزت عن احتماله. لم أعد أطيق الألم، فقرّر والدي أن يعيدني إليه، ليكون إلى جانبي، يتابع حالتي بنفسه. لم يحتمل أن يراني أتألم من بعيد، عاجزًا عن فعل شيء، فكان قراره حاسمًا، يحمل وجع الأب وخوفه في آن واحد .
ما إن وصلت إلى الدوحة، حتى بدأت رحلة العلاج. كانت أولى محطاتي مستشفى حمد العام، حيث أظهرت الفحوصات الأولية اشتباه إصابتي بسرطان الغدد اللمفاوية. لم يخبروني أو يخبروا أسرتي حينها، بل تمت إحالتي إلى المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان، وهناك بدأت الأمور تتكشف.
قبول وتسليم
كان تأخر التشخيص سببًا في تفاقم الحالة، فبدأ الأطباء فورًا بخطة علاجية مكثفة، تضمنت جلسات من العلاج الكيماوي وأخرى من الإشعاع، امتدت لأكثر من سبعة أشهر، تخللت تلك الفترة فحوصات دورية، ليصل طول الرحلة إلى ما يقارب العام.
لا أعلم من أين جاءني هذا القبول، ولا كيف تمكنت من مواجهة كل ذلك دون أن أنهار. لم أكن أظن في نفسي هذه القدرة على التسليم، لكنني وجدتها تسكنني، قوة هادئة تنبع من داخل جسد منهك. حتى والدي، وقد رأى صمودي، سألني ذات مرة بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في العلاج: “لماذا لم تخف حين عرفت أنك مصاب بالسرطان؟” كان سؤاله مرآةً أظهرت لي كم أن ما فعلته كان فوق المتوقع، حتى من أقرب الناس لي. عندها فقط، أيقنت أن ما أنا عليه من صبر هو نعمة من الله، منحني إياها لأجتاز هذا الابتلاء بقلب مطمئن.
من غرائب الأقدار، أنني اليوم، كطالب في كلية التمريض، أدرس في مقرراتي مراحل رعاية مرضى السرطان، فأجدني أقرأ عن تلك التفاصيل التي خضتها يوماً، لا كممارس صحي، بل كمقاتل واجه المرض بكل جوارحه.
عودة المرض
في عام 2024، وبعد أن كنت قد أعلنت التعافي، تلقيت خبراً لم أكن مستعداً له أثناء الفحوصات الدورية: عاد المرض مجددًا. كانت صدمة لا تحتمل، فرفضت في البداية أن أعود إلى ساحة المعركة مرة أخرى.
شعرت أنني استنزفت ما في داخلي من قوة، ولم يكن في قلبي متسع لتجربة أخرى. لكن والدي، بحكمته، وبمساندة الأطباء، أعادوا إليّ البوصلة، وأقنعوني بأن لا خيار إلا بالاستمرار. لقد قرروا زراعة نخاع العظم لي، وتحسنت حالتي بعدها، ولله الحمد.
عرفت الجمعية القطرية للسرطان أول مرة من خلال المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان، حين أخبر أحد العاملين بالمركز والدي بإمكانية الاستعانة بالجمعية لتغطية تكاليف العلاج. لم يتردد والدي لحظة، أعد الأوراق وقدّمها، ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت رحلة العلاج من جديد، بفضل الله ثم بدعم الجمعية، التي لا أجد كلمات توفيها حقها.
حكمة بعد مرض
“كل محنة يعقبها منحة بمشيئة الله تعالى” جملة كتبتها أنا ووالدي في أول صفحة من دفتر الرحلة، ولا زالت ترن في أذني كلما تذكرت تلك الأيام. كانت المحنة قاسية، لكنها منحتني بصيرة وهدفًا جديدًا في الحياة. اليوم وانا في الكلية اطمح لأن أكون أحد الكوادر التي تدعم كل من يمر بهذا المنعطف، أخطط لإنشاء مشروع في بلدي الأم السودان يشبه الجمعية القطرية للسرطان،، أصل من خلاله لأولئك الذين يكابدون السرطان وحيدين.
أما أسرتي وعائلتي الاكبر، فكانت سندي المتين، وقوتي التي مهدت لي ساحة الانطلاق. وتحديدًا والدي الذي كان نبع القوة، وكلماته بوصلة روحي، ونصائحه ضوء طريقي.
كان للكادر الطبي في المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان دور لا يُنسى في رفع معنوياتي، فقد كانوا يغمرونني برعاية تفوق مجرد الواجب المهني، يتفقدونني باستمرار، ويزرعون في قلبي الطمأنينة بكلماتهم وابتساماتهم رغم اختلاف الجنسيات والأديان والمسميات ولكن كان هناك قاسم مشترك وهو الأمل.
خلقت هذه العلاقة جوًا من الألفة، خفف عني عبء المرض وألم العلاج، الذي لم يكن يسيرًا ، بأي حال رغم أنها كانت فترة صعبة إلا أن المحيطون بي قد خففوا ثقلها لاسيما اخي ورفيقي وسندي الذي شد الله به عضدي ـ إلى جانب الكثيرين ممن سخرهم الله لي في تلك الفترة والذي أتذكر افعالهم وصنائعهم الطيبة حتى الآن .
مصدر راحتي النفسية
هناك أمور في الحياة لا نملك السيطرة عليها، والمرض أحد هذه الأشياء. لذلك، أوكلت أمري كله إلى الله، مستعينًا بإيماني ويقيني بأنه لا يصيب الإنسان إلا ما كتب له، هذا التسليم التام كان مصدر راحتي النفسية، وساهم كثيرًا في تحسن حالتي خلال مراحل العلاج، فقد آمنت أن الجانب النفسي لا يقل أهمية عن العلاج نفسه في معركة كهذه.
“أنصح كل من يبدأ رحلته مع علاج السرطان ألا يُرهق نفسه بالتفكير في المستقبل أو في تفاصيل المراحل القادمة، بل عليه التفكير في اجتياز كل مرحلة في وقتها، خطوة بخطوة. فذلك أهون على النفس وأقوى على الصبر، أما أنا، فقد وصلت إلى درجة من التسليم جعلتني لا ألتفت كثيرًا إلى الشروحات الطبية، ولا حتى إلى الأوراق التي يطلبون توقيعي عليها. وأسلم لله أمري ، وكنت أثق في الأطباء، مؤمنًا بأن الخير فيما اختاره لي، وأنه لن يصيبني إلا ما كتب لي.
تجربة المرض
أنصح كل من يمرون بتجربة السرطان بأن يتشبثوا بتلك القوة الداخلية التي يشعرون بها رغم الألم، فهي الحصن الذي يحميهم من الانكسار، لا تقبلوا أن تكونوا ضعفاء أمام الأخرين ينظر إليكم نظرة الشفقة فهذا ما جعلني أخفى مرضي حتى عن أقرب أصدقائي لا خوفا من المجتمع ولكن رغبة لدي في عدم الاستسلام والشفقة.
أما المتعافون فأقول لهم أنكم خضتم صعاباً وتحديات كثيرة ولابد أن يكون هناك شيء جميل قد حدث خلال تلك الفترة فأظن أن هذا هو الشيء الذي يجب أن تنظروا إليه وتتمسكوا به ، فرغم الألم الذي مررت به إلا إنني أنظر إلى تلك الفترة على أنها كانت لحظة صفاء مع النفس ودفعة لبداية قوية وفرصة أن خضت مع نفسي تحديا عظيما لذلك انظروا الي الجانب المشرق، وأوصيكم أيضا بأن لا تكتموا حكاياتكم، بل شاركوها وامضوا بين الناس مشبعين بالأمل والحياة.
أنا الآن أروي قصتي كبطل قد اجتاز خط النهاية محملاً لا بذكريات مؤلمة بل بتجارب واحلام وأهداف لم أكن أتوقع يوما أن تكون داخل ذهني مستعيناً بمن قادني إلى هذا الطريق فعجبا لمن خطط وقدر، لا تستسلموا لا تتوقفوا.
