منى الكواري : 10 سنوات من الغربة والعلاج، ولم أفقد الأمل في الشفاء
لم يخطر ببال منى أرحمه الكواري، معلمة الفنون البصرية التي طالما رسمت الجمال بألوان الحياة، أن تكون هي نفسها يومًا لوحةً تختلط فيها ظلال الألم بألوان القلق، لم تكن تعرف أن القدر يخبئ لها مواجهة قاسية مع مرض لم يعهد له وجودًا في تاريخ عائلتها.
كما أنها لم تمنحه فرصة التسلل إلى تفاصيل أيامها، خاصة وهي التي اعتادت أن تحيا بصحة ووعي، تواظب على الرياضة، وتختار طعامها بعناية، كأنها ترسم لوحة توازن دقيقة كل يوم.
تروي منى، خريجة كلية التربية الفنية جامعة قطر، قصتها بصوت ينساب كأثر فرشاة على لوحة تحمل الكثير من الألم والأمل: كانت حياتي تمضي في هدوء يشبه نسيم الصباح، تسكنها تفاصيل أحببتها، وتؤنسني رتابة يومية محببة، كنت أستيقظ كل يوم على شغف المهنة، وأمضي إلى مدرستي حيث أُعلِّم الفنون، أرشد طلابي الصغار كيف يحكون الحكايات بالألوان، وكيف تُختصر المشاعر في خطٍ بريشة، وكيف للوحة أن تكون نافذة على الروح.”
“كل شيء كان منسجمًا، حتى جاء ذلك اليوم الذي شعرت فيه بألم مباغت ونزيف لم أعهده، قصدت المركز الصحي، وخضعت لفحوصات أولية لم تكشف شيئًا، لكن القلق تسلل إليّ في صمت، كما تتسلل الريبة إلى قلب الرسام حين لا تنسجم ألوانه.”
“لم تمضِ أيام حتى عاد النزيف أشد وقعًا، وتم تحويلي إلى مستشفى الأمل – المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان حاليًا – وهناك، وبعد سلسلة من الفحوصات الدقيقة، تلقيت الخبر الذي لم يخطر لي على بال: سرطان عنق الرحم.”
“نزل الخبر كالصاعقة، توقف كل شيء في لحظة، حتى نبضي، شعرت أن الحياة انطفأت من حولي، وأن الألوان كلها فقدت بريقها، وتسربت إلى قلبي كل الأفكار السوداوية التي نسمعها عن هذا المرض الخبيث، ذلك الاعتقاد الراسخ بأن لا أحد ينجو منه.
لكن شيء بداخلي رفض الاستسلام، لملمت نفسي كما تجمع الرسامة قصاصات لوحتها الممزقة، واستجمعت شجاعتي لأبدأ رحلة المقاومة، لأن الحياة، رغم قسوتها، تستحق أن نقاتل من أجلها.”
في صيف 2010 تلقت عائلتي الخبر الصدمة وكان الجميع في حالة انهيار وخوف مرعب، ولكن الجميع وقف مساندا وداعما وقررت السفر للخارج للبدء في العلاج بالكيماوي في ألمانيا لمدة 6 أشهر، وعدت بعدها للدوحة حيث لم أكن في طبيعتي بل عانيت العديد من الأمراض خضعت نتيجتها لعدة عمليات جراحية وصلت عددها إلى 30 عملية.
استمر العلاج الكيماوي بعد ذلك في لندن لنحو 10 سنوات على مراحل متباعدة حيث كان الأطباء يأملون أن ينحسر المرض دون اللجوء للجراحة، ولكن الأمر لم يمض كما أرادوا حيث انتقل المرض في الغدة الدرقية والصدر والأمعاء على مراحل متتابعة وصلت خلالها إلى حافة الموت، فقدت خلالها أي أمل في التعافي ولكن كان اليقين بالله سبحانه وتعالي ينير قلبي ويرسل إلى رسائل أن تشبثي بالأمل.
في عام 2018 تم استئصال الرحم بعد رحلة علاجية طويلة، أنهكت فيها جسمانيا ونفسيا بشكل كبير، حيث استمرت رحلة العلاج لمدة 10 سنوات قضيت معظمها خارج البلاد، أعود فقط شهر أو شهرين كل عام إلى الدوحة.
عانيت من الوحدة والغربة في الخارج، لا صديق ولا داعم في هذه المحنة الشديدة، لم أجد أيد حنونة سوي أمي التي توفاها الله لاحقا فقد كانت هي التي تسافر معي للخارج ومن بعدها كان شقيقي الأكبر هو الداعم الأكبر لي بجانب أسرتي الصغيرة المكونة من أطفالي الخمسة.
لم يكن المرض وحده ما أثقل كاهلي، بل كانت الحياة كلها وكأنها قررت أن تختبر صبري دفعةً واحدة، العلاج، والغربة، والمسؤولية، اجتمعت كلها عليّ كجبال تنهار دفعة واحدة فوق كتفيّ.
ومع ذلك، كنت على قدر هذا الامتحان، شامخة رغم الانكسارات، ثابتة رغم الاهتزازات، أحمل نفسي وأمضي، كان علاجي على نفقة الدولة، وهذه نعمة عظيمة أحمد الله عليها في كل لحظة، لكنها لم تكن كافية لتخفف وطأة الغربة ولا وجع الوحدة.”
“قبيل عودتي من آخر رحلة علاج، كانت صعوبات الحياة تتكالب عليّ كما لو أنها تأبى أن تتركني أتنفس، لا بيت أملكه يؤويني، ولا سيارة تقيني عناء الطريق، كل شيء كان بالإيجار، حتى الشعور بالاستقرار، كأنه مؤجل حتى إشعار آخر ومع ذلك، لم أسمح للحزن أن يستوطن قلبي، كنت أردد لنفسي دائمًا: ما دمت قد صمدت في وجه السرطان، فلن تعجزني تفاصيل الحياة مهما تعقدت.”
“كنتُ الأم والأب، السند والملجأ، كنت المسؤول الأول والأخير عن أبنائي: عن تعليمهم، عن زواجهم، عن معيشتهم، عن تفاصيلهم الصغيرة والكبيرة، لم يكن في حياتي متسع للضعف، لكن الحقيقة أن الجسد حين يمرض لا يُنهك وحده، بل تتعب معه الروح، وتُثقَل النفس.”
“تسلل إليّ الاكتئاب بهدوء، كزائر ثقيل لا يطرق الباب، ولم أعد أرى النور الذي كنت أستمده من ابتسامات أبنائي أو من ألواني التي كانت يومًا ملاذي، كنت أحتاج عونًا لا عتابًا، فمددت يدي لطوق النجاة، وخضعت لمساعدة الأخصائية الاجتماعية، وتحدثت، بُحت بما أخفيت طويلًا، وبدأت شيئًا فشيئًا أتنفس من جديد.”
“لكنني لم أكتفِ بذلك، فقد قررت أن أستعيد زمام حياتي بيدي، جلست مع نفسي، ووضعت خطة لا لتجاوز المحنة فحسب، بل لأخرج منها أكثر وعيًا، أكثر قوة، أكثر امتنانًا، علمت أن الشفاء لا يكون فقط من المرض العضوي، بل من كل ما يعكر صفو القلب ويقيّد الروح.”
كانت فترة كوفيد-19 أصعب مرحلة واجهتها خلال فترة العلاج حيث مرحلة الاغلاق التي سيطرت على العالم وحين عودتي للبلاد دخلت فترة حجر طويلة في الفندق لحين تم السماح لي بالخروج، حيث كانت مناعتي منخفضة للغاية وظللت لنحو عامي ونصف العام في المنزل دون الخروج نهائيا.
من المواقف الصعبة أيضا التي عانيت خلاها هو أنني خلال فترة علاجي من السرطان في لندن، لم أكن أرعى نفسي فقط، بل كنت أعيش معاناة مضاعفة، إذ كنت أعتني بابنتي التي كانت تعاني من إعاقة حركية.
كنت أتنقل بين جلسات العلاج الكيماوي ومواعيد التأهيل الطبي الخاصة بها، أحمل ألمي وألمها معًا في قلب واحد، لم يكن الأمر سهلًا، لكني كنت أستمد قوتي من إيمان راسخ بأن الله لن يخذلني، وأن هذه الغمامة ستنجلي يومًا وفعلاً، بحمد الله وفضله، تعافيت من السرطان، وابنتي أيضًا شُفيت من إعاقتها الحركية، وكأن الله كتب لنا ميلادًا جديدًا معًا.
أتذكر خلال فترة علاجي في لندن، كان الأطباء والممرضون يطلقون على غرفتي “الغرفة ذات الطاقة الإيجابية”، لأنني كنت أمتلئ بالأمل رغم كل ما أمر به، كنت أحرص على أن أزرع في المكان روح التفاؤل، أبتسم كثيرًا، وأتحدث مع الجميع بمحبة، وأؤمن أن الشفاء ممكن بإذن الله.
لم أسمح للخوف أن يسيطر عليّ، بل حولت ألمي إلى دافع للاستمرار، وكان هذا الإيمان هو النور الذي أضاء عتمة الأيام الصعبة، وأقول لكل مريض يمر بتجربة السرطان أو أي مرض صعب: لا تستسلم، تمسك بالأمل، واستقوِ بعائلتك وأصدقائك المقربين، فهم السند الحقيقي في هذه الرحلة الشاقة.
لا تسمحوا لليأس أن يتسلل إلى قلوبكم ولا تضعفوا في مواجهة هذا المرض، فالقوة لا تعني غياب الألم، بل تعني القدرة على مواجهته بثبات وإيمان، وتذكّروا دائمًا أن كل لحظة صبر تقربكم خطوة من الشفاء، وأنكم أقوى بكثير مما تتصورون.
تعافيت تمامًا، والحمد لله، من مرض السرطان، وهذه نعمة أحمد الله عليها في كل لحظة، لكن الحقيقة التي لا يعرفها كثيرون أن الرحلة لا تنتهي عند الشفاء، فتبعات المرض وآثاره الجانبية ما زالت تؤثر على جميع نواحي حياتي، جسديًا ونفسيًا.
ما زلت أتابع باستمرار في المستشفى، وأخضع لفحوصات وعلاجات لمواجهة تلك المضاعفات التي خلفها المرض، من تعب مزمن إلى تغيرات في جسدي ونمط حياتي، الشفاء من السرطان لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة، لكنه بداية جديدة في رحلة التكيف والتعايش، وأنا مؤمنة أن الصبر والثبات والإيمان بالله هم زادي في هذه المرحلة كما كانوا في السابقة.
أعيش حياتي الآن بشكل طبيعي، ولله الحمد، وأعود كل صباح إلى دوامي في المدرسة بطاقة مليئة بالإصرار والحب لما أقدمه، أصبحت من المتميزات في عملي، ونلت خلال العامين الماضيين عدة شهادات شكر وتقدير، تقديرًا لتفاني في أداء مهامي وإخلاصي في خدمة طلابي وزميلاتي.
أشعر أنني وُلدت من جديد بعد رحلة المرض، وأكثر ما يسعدني اليوم أنني استطعت أن أحوّل الألم إلى دافع للنجاح، وأن أكون قدوة لمن يظن أن المرض نهاية الطريق، بينما هو، في الحقيقة، بداية لقصة أقوى.
كما أنني انخرطت في فعاليات الجمعية القطرية للسرطان بعدما تعرفت على أنشطتها المتنوعة وجهودها الكبيرة في خدمة المرضى ونشر الوعي الصحي في المجتمع.
شعرت أن من واجبي، بعد تجربتي مع المرض، أن أكون جزءًا من هذه الرسالة النبيلة، حرصت على المشاركة في الحملات التوعوية، وشاركت في اللقاءات المفتوحة والندوات، ونقلت تجربتي الشخصية للآخرين كي أبعث فيهم الأمل وأؤكد أن السرطان ليس نهاية، بل يمكن تجاوزه بالإرادة والدعم.
كان هدفي دائمًا أن أمد يد العون لكل من يمر بهذه التجربة، وأن أكون صوتًا داعمًا لمن يحتاج كلمة ترفع معنوياته في لحظة ضعف وان أنقل للجميع تجربتي في الصمود والوصول لمرحلة التعافي والحمد لله.
