فاهث : إصابتي بالسرطان جعلتني أكثر قوة وثبات

عندما زار فاهث الطبيب في شهر أبريل 2017 تغيرت حياته ككل، عندما لاحظ كتلة صغيرة على الجانب الأيسر من عنقه ولكنه لم يعيرها كثير من الاهتمام، لدرجة أنه تجاهلها تمامًا ولم يقرر الذهاب للطبيب لفحصه إلا عندما أخبره صديقه وأفراد عائلته بضرورة ذلك.

 قال فاهث ” تراجعت عن رأيي من أجلهم ولكني لم أكن قلقًا، لقد كان هذا وقت انتشار الإنفلونزا وجميع أفراد أسرتي بخير وصحة طيبة. ظللت متغافلاً وطلبت إجازة مرضية حتى أتجنب زملاء العمل، تركت الشركة وذهبت للمستشفى. وهناك قام الأطباء بفحص جسدي فحصا كليًا ودقيقًا. أجمع الأطباء على أهمية إجراء جراحة لاستئصال الغدة الدرقية وفي يونيو 2017، خضعت لإجراء العملية وأخذت الخزعة، ثم أخبرني الأطباء بوجود سرطان في الغدة الدرقية، وهو نوع من أنواع السرطانات التي تؤثر بالضرورة على الغدة الدرقية.

 صُدمت بحالتي عندما أُخبرت بذلك، حيث كان السرطان آخر شيء يتبادر إلى ذهني، بدأت هواجس الخوف تنحدر تدريجيًا عندما حاول الأطباء التخفيف عني وتأكيدهم أن هذا النوع من السرطانات شائع، وأنه قابل للشفاء وأن فرصتي في التعافي ممتازة. وبالرغم من رد فعلي المبدئي، كان عقلي صافيًا وتفاعلت مع طبيبي وتعاونا سويًا لرسم خطة تفصيلية للتغلب على الورم. عرفت ما يجب عليً فعله وقررت أن أهزم السرطان.

 وفي الشهر التالي، أجرى الأطباء جراحة استئصال الغدة الدرقية التي استعمرتها الخلايا السرطانية استعمارًا كاملاً ، نجحت العملية ونصحني الأطباء باللجوء إلى جرعات عالية من اليود المشع، على عكس المعتاد لأن الجرعة العالية تضمن عدم رجوع السرطان مرة أخرى لفترة معقولة. وفي سبتمبر 2017، خضعت لجرعة عالية من اليود المشع.

أعطاني الأطباء دواء مكمل لهرمونات الغدة الدرقية ، وتركوا ندبة صغيرة تذكرني بانتصاري على السرطان، كنت راضياَ جداً، جاهزاً لغلق هذا الفصل من حياتي والرجوع إلى حياتي الاعتيادية فأنا على وشك الاستمتاع بوقتي مرة أخرى والاتصال بعائلتي من خلال الهاتف والتسوق مع الأصدقاء ، شعرت باهتمام كبير من جانب الأطباء. فكل ثلاثة أشهر، ينبغي عليَ الذهاب إلى الموعد الطبي. وكان الطبيب يعطيني موعد متابعة منتظم، وفي هذه الأثناء وجدت كتلة مقاسها 6 مم والتي لم تكن ولله الحمد سرطان، خضعت لجرعة منخفضة من اليود المشع في يونيو 2018 كجزء من العلاج.

ومع مرور الأيام، لم أعد أفكر في الكتلة الكائنة في رقبتي أو أي شيء يتعلق بالسرطان. كنت أتابع روتين زيارتي للطبيب كل ثلاثة أشهر، وكان الطبيب في كل مرة يذكرني بنجاحي وانتصاري على السرطان. وكنت أشعر بأني منتصر. وفي كل مرة كان يقول لي الطبيب أنه لا يوجد أي علامات للسرطان، فأتنهد مرتاحا وممتنا لله، ومع مرور الشهور والأيام، كنت أجري اختبارًا من حين لآخر وكانت نتيجة الاختبارات سلبية دائمًا، ومن ثم بدأت أشعر بأن هذه المواعيد الطبية مملة وشعرت بالثقة لدرئي السرطان. وإذ وفي نوفمبر 2019 وأثناء متابعتي الطبية، شعرت أثناء إجراء الأشعة فوق الصوتية بأمرٍ غير عادي من طريقة فحص الطبيب وتعاطف طقم التمريض. قال الطبيب متألمًا ومتحسرًا أنه يرى كتلة جديدة مقاسها 3 مم في العقد الليمفاوية مما يعني عودة السرطان مرة أخرى، وأخبرني الطاقم الطبي أن هذه ظاهرة طبيعية تصيب 75% من المرضى الذين يعانون من سرطان الغدة الدرقية حيث يصيب السرطان العقد الليمفاوية. ونصحني الطاقم الطبي بإنهاء جولة أخرى من العلاج باليود المشع.

شعرت بالأسف. كنت قد اتبعت خطة العلاج السابقة بانضباط ونفذتها بدقة كاملة. لقد هزمت السرطان. لماذا رجع مرة أخرى؟ بدأت في ملاحظة عاداتي اليومية والبحث عما هو خطأ في أسلوب حياتي. احتجت لإجابات كثيرة، لأعرف سبب إصابتي بالسرطان مرة أخرى. أصبت بالذهول. بدأت في لوم نفسي كثيراً. ليس بسبب ارتداده لي مرة أخرى ولكن لإصابتي بالسرطان في المرحلة الأولى. هل أتبع نظاما غذائيا غير صحي؟ هل هذا بسبب تعثر حظي؟ هل أصابني أحدهم بالحسد؟ شعرت بالمسؤولية مقتنعاَ أنه لو فعلت شيئًا في حياتي بشكل مختلف عما كنت لتمكنت من منعه. ولكن الحقيقة أنه لا يستطيع أحد منع السرطان او توقع حدوثه. أمضيت وقتًا طويلاً في هذه الأحاسيس، وأخذت وقتًا أكثر للتغلب على ما انتابني من مخاوف ووجع بالقلب قبل أن أصل إلى هذه الحقيقة، ولكن عندما توصلت إليها أصبح من السهل علي تغيير خطتي وأن انتقل إلى المرحلة الثانية من العلاج.

رجعت في فبراير 2020 لجولة أخرى من جرعات اليود المشع العالية. فهذا اليود يساعد على استئصال كأفة الأنسجة السرطانية التي انتشرت بالعقد الليمفاوية. يمنع البروتوكول الطبي استخدام أدوية المكملات الهرمونية للغدة الدرقية في الأسابيع التالية للعلاج ولذا شعرت أثناء هذه الفترة بكثير من الإنهاك والألم. فالأقراص التي أعطاها لي الأطباء كانت تقضي فقط على الخمول والكسل اللذين انتاباني ولكن رافقها كثير من الغثيان. كانت الهرمونات بين صعود وهبوط، أشعر في بعض الأيام برجفة وبعض الأيام بالتعرق مما يضطرني للاستحمام ثلاث مرات يوميا. كانت هذه الأيام عصيبة للغاية، فهي أصعب ما خبرته طوال رحلة العلاج.  صارت حياتي رتيبة، كئيبة ومما زاد من صعوبتها أوامر الأطباء كإضافة ملح إلى الطعام. توقعت أن يكون العلاج الإشعاعي أحرق كل ما بداخلي. ولكني الآن نسيت كل هذه الآلام والأوجاع، عندما استرجع ما حدث، أتعجب كيف تحملت كل هذه الآلام، لقد كنت أشعر حينها بأن قنبلة نووية انفجرت بداخلي. ربما كنت أشعر أنه ليس لدي حل آخر، لم يكن لدي وقت للغرق في التفاصيل، فجل ما يهمني هو أن أنتقل للمرحلة الثانية من العلاج.

 بعدما أنهيت العلاج الإشعاعي في شهر فبراير، تم عزلي لشهر كامل.  ويُعزى هذا العزل إلى عدم إيذاء من هم حولي بما يصدر من جسمي من إشعاعات، زادت تلك الأسابيع من شعوري بالغربة، فالغربة ليست جسدية فقط فهي عقلية أيضًا.  ولكن ومع كل هذه الآلام …..كان هناك نور في نهاية النفق. فأخيرًا وبعد انقضاء هذه الفترة المريرة، بشرني الأطباء بالأخبار السارة. فقد انتصرت على العقبة الأخيرة وأزلتها تماما. وعدت خاليًا من السرطان للمرة الثانية.

ومن ذلك الحين، أصبحت أكثر وعيًا بأهمية مواعيد المتابعة. صرت أكثر حرصًا في عدم الشعور بالثقة المفرطة فيما أصابني من سرطان حليمي، لأن السرطان الحليمي انتشر من قبل ووصل إلى العقد الليمفاوية، وقد يحدث ذلك مرة أخرى.  وفعلاً وبعد مرور شهرين وجدوا أن السرطان منتشر في العقد الليمفاوية. في كل مرة أعلم بإصابتي بالسرطان، أصبح أقوى وأكثر ثباتًا، وأقل انزعاجًا، كانت شخصيتي تتطور إلى الأفضل لتحارب هذا المرض اللعين. لم أعد هذا الشخص الساذج، صرت أكثر قدرة على تلقي برنامج العلاج التالي.

وكان البروتوكول العلاجي هو نفس البروتوكول السابق المستخدم في أخر مرة وهو اليود المشع. ولكن نصحني الأطباء بالخضوع لجرعة أكبر عما سبق لأن الجرعة العالية تضمن عدم رجوع السرطان مرة أخرى لفترة معقولة، معركة جديدة مع عدوٍ سابقٍ. وفي الوقت الذي كنت أتلقى دعم عاطفي ومادي من قبل الجمعية القطرية للسرطان بالدوحة، كان لا بد لي أن أبحث عن مكان آخر إذا قررت العلاج في بلد آخر. فقد قررت أن أكمل علاجي في وطني الأم – سريلانكا – حتى أحظى برعاية ودعم أسرتي وأصدقائي، يكفيني ما قضيته من سنوات في الغربة.

 وقبل أن أغادر الدوحة، منحتني الجمعية القطرية للسرطان كتيب يسمى قصة أمل، يشرح تفصيليًا كثير من قصص المتعافين من مرض السرطان. وبينما أقرأ هذه القصص، أحسست بمشاعر غريبة، فبالرغم أن أبطال هذه الحكايات غرباء بالنسبة لي، إلا أن أنواع السرطان التي أصيبوا بها وما خبروه أثناء مرحلة العلاج يشبهني كثيرًا، ومن ثم وجدت نفسي قادراً على محاكاتهم وإكمال طريقي إلى نهايته. وحتى هذه اللحظة، ظللت قادرًا على استكمال رحلة العلاج لأني أعرف أن لدى خيار آخر، عليّ أن أستمر، ملأتني حكايات هذا الكتاب بأمل ليس له حدود، وأدركت حينها من بين ثنايا الكتاب أنه لا يوجد حالتان متطابقتان تماما ولكن لكل مريض حالة منفردة خاصة به. وأخيرَا، استطعت وضع صورة ذاتية لحالتي وكتابة قصتي. كان من الصعب أن أسمع عبارة نوع “السرطان الذي أصبت به من النوع الحميد أو من النوع السهل” ولكني أحترم ما مر به الأخرون من رحلاتٍ صعبةٍ شاقةٍ، وهذا ما جعلني أصف رحلتي بأنها ليست جيدة أو سهلة. ما زال السرطانُ سرطاناَ فهو ليس بالشيء اليسير كما أخبرني الأطباء، وكما فهمت من المواقع الإلكترونية التي أكدت لي ذلك. وكان عليّ أن أعدل خطتي لتكون أكثر مرونة فقد صرت متفائلاً ولست ساذجاَ. وبعد الانتهاء من كتيب الجمعية القطرية للسرطان أدركت أن السرطان ليس مرضاً بسيطاً تتغلب عليه بقراءة ملصق. فلكل مريض سرطان خبرة وتفاصيل خاصة به. وفجأة شعرت بأنه لا ينبغي علي التوقع بكيفية سير عملية العلاج ولا كيف سأشفى منه، ولكني استجمعت قوتي متفهماً حقيقة إمكانية هزيمة السرطان بأسلحةٍ مختلفةٍ. وفهمت أنه لا يمكن التنبؤ بالسرطان، فهو يعبر عن نفسه فجأة ولكن يمكن التغلب عليه وهزيمته. والآن أنهيت علاجي وأعتقد أن حكايتي قد تكون ملهمة للمرضى الآخرين التائهين في طريق العلاج. فقد يروا أنفسهم في قصتي وأتمنى لهم أن يكتبوا قصتهم بأنفسهم وفق رؤيتهم الشخصية.

Read more...

محمد عبدالله :الدعم النفسي ضرورة لمواجهة المرض

كانت حياة محمدعبدالله تسير بشكل طبيعي إلى أن لاحظَ بعض الأعراض الغريبة التي اكتشفها بالصدفة. بعد أن أجرى جميع التحاليل والفحوصات اللازمة وقام بعمل المنظار، أظهرت النتائج إصابته بسرطان المستقيم وكانت الخطوة التالية هي عمل عملية لإزالة الورم. لم يكن لدى محمد أي انطباعات سابقة عن مرض سرطان المستقيم مما جعله يستقبله كأي مرض يصيب أي إنسان. وإيمانه بالله وتوكله عليه سبباً في تلقيه الخبر بدون أي مخاوف من المستقبل، ورغم شدة الألم الذي أصابه في العملية، إلّا أن عائلته كانت مصدراً كبيراً للدعم بالنسبة له، وخاصةً أخته.

قام محمد بأخذ إجازة من العمل الخاص لمدة سنة لكي يتلقى العلاج الكيماوي الذي واجه معه عدة أعراض مثل الإنهاك والفتور وانعدام الشهية وبعض الآلام البسيطة مما أدى إلى خسارته لعمله، ولكن ما يشعره بالراحة الآن هو إتمامه لمعظم جلسات الكيماوي، وبقاء جرعة واحدة فقط لإكمال العلاج مما سيجعله قادراً على البحث عن وظيفة جديدة قريباً

ويتلقى محمد العلاج الكيماوي والإشعاعي من خلال الجمعية القطرية للسرطان التي تواصل معها عن طريق مستشفى حمد العام، وقال ” بالإضافة إلى العلاج، فإن ما تلقاه من الفريق الطبي من الدعم النفسي أثّر بصورة إيجابيّة على صحته وساعده في تجاوز المصاعب التي واجهها”.

 ذكر  أن أجمل ما خرج بِهِ من تلك التجربة هو الصبر الذي تعلمهُ خلال فترةِ تلقيه للعلاج الكيماوي والإشعاعي ، ونصح كل من يمر بنفس التجربة  بالالتزام بالعلاج و مواصلته، ومواجهة الأعراض الجانبية بدون خوف لأنها مؤقتة وتزول مع الوقت. وأوضح أن أفضل الأشياء التي ساعدته على مواجهة السرطان هي الصلاة وتلاوة ورد من القرآن الذي وصفه -كما ورد بسورةِ الإسراء- أنه شفاء للناس.

 

 تحرير : سارة خالد

Read more...

عائشة التميمي: واجهت السرطان بدعم أسرتي

إسمي عائشة التميمي، خبيرة طبخ وإتيكيت, وكنت أعمل كمدرسة وبعدها اتجهت لعالم الطبخ والذي عملت به لما يقرب من 28 سنة, قمت خلالهم  بتأليف ستة كتب في مجال الطبخ ، إلى جانب برامجي التلفزيونية المتعلقة بالطبخ.

حكايتي بدأت حينما كنت أفحص باستمرار الصدر الأيمن بالإشعاع وذلك لوجود أكياس دهنية به، الأمر الذي اعتدت على فعله لمدة عشر سنوات للاطمئنان، بعدها صدمت عندما اكتشفت أن الورم بالصدر الأيسر لحسن حظي كان الورم صغيرا و كان حجمه أقل من سنتيمتر واحد, بعد أن قمت بالفحوصات أخبرني الطبيب أن السرطان الذي أعاني منه هو بالدرجة الأولى. لقد صدمت عندما سمعت هذا الخبر لم أتوقع إصابتي بسرطان الثدي لأنه لا يوجد أي تاريخ مرضي للسرطان بعائلتي. عندما خيرني الطبيب بين استئصال الورم أو الثدي اشتد غضبي, و قلت له أنه هو الطبيب و يجب عليه أن يقرر ما يجب فعله و ليس أن يسألني عما أظن فهو الذي قام بالفحوصات و هو أدرى بما يجب أن يحدث.

قال لي الطبيب أنه في حاله كمثل حالتي يفضل أن يستأصل الورم فقط، إن سماع ما قاله أعطاني بصيص من الأمل. بعد أن فحصت العينة في مستشفيات عديدة، اتفق الأطباء على العلاج الإشعاعي فقط, هذا الخبر أزاح بعض الضغط النفسي عني،  شعرت بالراحة لمعرفة أني بالمرحلة الأولى, ولكني كنت مصدومة عند معرفة حالتي المرضية من الطبيب, لقد استمر شعوري بالسلبية و الهلع. بعد عملية الاستئصال، مررت بحالة نفسية حرجة, فأنا في العادة شخص مرح محب للحياة ، وأساند كل أفراد أسرتي ، و لكن الحال تغير, ,اصبحت أنا من بحاجة لمن  يساندني .

عندما سمعت هذا الخبر من طبيبي صدمت وأحسست بالتعس، لم أتمكن من استيعاب ما يحدث وجهشت بالبكاء حينها، ولكن وجود أهلي وعائلتي وبالأخص أختي التي أخبرتني أنني من يساند الجميع دائماً عند وقت الشدة، أعطتني هذه الكلمات القوة لكي أتجاوز هذه المرحلة الصعبة ويسر لي تحدي هذا المرض وألا أستسلم لحالتي المرضية.

عندما كنت أذهب للمركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان لتلقي علاجي الإشعاعي في رمضان عام 2014 كنت دائما بشوشة الوجه وطاقة إيجابية لمرضى ولكل العاملين بالمستشفى، استمريت في أخذ أدويتي لمدة خمسة أعوام، واتممت علاجي في يونيو 2019, خطتي العلاجية كانت بالأشعة خلال الخمس سنوات، وكانت مرتين بالسنة ومن ثم أصبحت مرة بالسنة.

Read more...

أليسون استون :  المرض جعلني شخصاً أفضل

اسمي أليسون ستون، حاصلة على درجة الدكتوراه في الميتافيزيقيا، واسم الشهرة /الدكتور ة أليسون ستون. جئت إلى قطر لافتتاح مركز لرفاهية السيدات والسبب الذي دعاني لذلك هو إصابتي بسرطان عنق الرحم عندما كنت في الثلاثين من عمري. ولذاك السبب فإنني أعزو نجاحي اليوم في حياتي إلى تلك الحادثة التي وقعت منذ عدة سنوات. تجاوزت رحلة السرطان منذ 27 عامًا وأدرك كم تغيرت حياتي إلى الأفضل خلال تلك الفترة، وفي السطور القادمة ملخص موجز عن رحلتي:

 تزوجت في سن 18 وُزقت بطفلين. عندما كنت حاملاً في طفلي الثالث، ذهبت لإجراء فحص روتيني فاكتشف الأطباء وجود تليفات سرطانية. ، ومن أفضل الأشياء التي أحمد الله على وجودها في المملكة المتحدة أنه في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، كانت مسحات Pap متاحة للنساء: ولكنها لم تكن إلزامية، ولم يكن هناك تشجيع مجتمعي عليها، بالرغم من كونها متاحة. بعد ولادة ابنتي الأولى أجريت هذه المسحة، وحتى بعد ولادة ابنتي الثانية أجريت نفس المسحة. ولو لم أجري هذه المسحة، لم أكن لأكون هنا اليوم.

 يعتبر سرطان عنق الرحم الذي أصبت به من أشرس أنواع السرطانات، ونظرا لأنني كنت حاملاً في ذلك الوقت. ذهب السرطان إلى العقد الليمفاوية، وعندما جاء موعد ولادتي كنت قد وصلت إلى المرحلة الرابعة، لذلك أنا أولي اهتمامًا شديدًا بالحفاظ على صحة المرأة.

قررت بسبب هذه التجربة، أن أعيد النظر في حياتي وأن أحافظ عليها. إن تجربة الجراحات والعلاجات التي تمر بها تؤثر عليك تأثيراً عميقاً، ولكني أعتقد أن الخوف أعمق كثيرا من هذه التأثيرات، فالخوف الذي واجهته منذ سبعة وعشرين عاماً لا يمكن نسيانه أبدا. ولكني الآن عندما أتعرف على مجتمعات مثل الجمعية القطرية للسرطان، أعجب بها أشد الإعجاب لأن النساء يجدن في مثل الجمعيات الدعم المطلوب. لوكنت حظيت بشيء مشابه عندما أصبت بالسرطان، فلربما كانت أموري تغيرت كثيراً واختلفت رحلتي في الحياة.

عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، ومثلي مثل أي أم لم أكن أعرف ما معنى سرطان عنق الرحم. ففي ذلك الأوقات، لم يكن الأطباء يعلمون أن فيروس الورم الحليمي البشري هو السبب في سرطان عنق الرحم؛ فهذه المنطقة من جسد المرأة كان ممنوع التحدث عنه ,  أتذكر في اليوم الرابع بعد الجراحة – بعد 14 ساعة من الجراحة – بدأت في البكاء. وأتذكر أن الممرضة حضرت إلينا لتقول: “أوقفن البكاء هناك أناس أسوأ حالا منكن”. أتذكر أنني لم أتكلّم مرة أخرى أبدا. لم أكن قد تحدثت أبداً عن الألم الذي أحسست به، بل لقد امتصصت الألم ولم أحرك ساكنا بعدها. كان من المستحيل التحدث عن هذا النوع من السرطانات بطلاقة، أتعجب الآن عندما أفكر أن الأمر استغرق حوالي 10 أو 15 سنة حتى أصبح التحدث عنه سهلا. والآن وبعد أن أصبح لدينا علاج كيماوي يسقط الشعر فإننا أصبحنا نحتفي به وهو أمر طيب، وأعتقد أن وسائل الإعلام الاجتماعية ساعدت في هذا، لأن وسائل الإعلام الاجتماعية تشكل وسيلة يمكن للناس من خلالها أن يتحدثوا عن تجاربهم الخاصة. ورفع الوعي المجتمعي.

لقد اخترت السيطرة على حياتي، فسلكت مساراً روحياً ـ لا أنكر أنني كنت خائفة، ولكني أظن أن تعلم بعض الأشياء مثل التأمل والتعرف على جسدك يمنحك شعوراً بالسيطرة. لأنه عندما يتم تشخيص إصابتك ويقول الطبيب “أنت مصاب بالسرطان، في المرحلة الرابعة، وهذا أمر خطير” ـ فأنت تسلم كل شيء إلى الأطباء، ينتابك شعور باليأس، وترى أنك الآن تحت رحمة الناس الذين يقولون لك: “عليك إجراء هذه الجراحة، عليك أن تحصل على هذا العلاج الكيميائي، عليك أن تحصل على هذا العلاج الإشعاعي” ولكنك ما زلت لا تعلم ما هذا المرض.

من هنا يأتي دور مجموعات المساعدة، حيث بدأ الأطباء في إدراك حقيقة مفادها أن المرضى يحتاجون إلى بعض الرعاية العاطفية. ففي حالتي كمريضة، لست فقط شخصاً يجري عملية جراحية ويفحص علاماته الحيوية، أنا مريضة أمر بمرحلة غيرت حياتي تماما -تم استئصال الرحم – وصرت في مواجهة حقائق واقعية شديدة الألم؛ فلن أنجاب أطفالاً مرة أخرى، قد أموت وأترك أطفالي، زوجي قد يهجرني ويبتعد عني للأبد، هناك ندوبا في كل مكان ــ لم يعالج أحد هذه الحقيقة، ولم يمد أحدُ يده لي بالمساعدة. كانت الأمور والظروف قاسية للغاية ” لا تتحدثي عن السرطان، ينبغي لك أن تكون ممتنه لكونك ما زلت على قيد الحياة والآن أشعر أن الناس يمكنهم الحديث عن تجربة السرطان، بل ويمكنهم معالجتها، وأعتقد أن الفرق في قطر (حيث كنت هنا منذ عشر سنوات) أن الجميع كانوا ممتنعون عن التعبير عن كلمة السرطان. وخاصة نساء الشرق الأوسط اللاتي يضعن أطفالهن في المقام الأول من حياتهن، ولذلك كن لا يرغبن في الاعتراف بمرض السرطان أو التعبير عنه..

 لقد خاطبت مجموعة من سيدات الشرق الأوسط منذ 12 سنة وحاولت إقناعهن بالحصول على فحص للثدي واختبارات مسحة pap، فكان الرد دائما أنهن لن يفعلن ذلك لأنهن لا يردن أن يعرفن، لأنهن يرجعون الأمر إلى القدر والابتلاءات التي يمر بها الانسان   وفي أي من الحالتين يشعرن بأنه ليس بوسعهن منع هذا القدر ولكن الرضا به وتقبله. ولكن جيل نساء اليوم بات مختلفا، فصرن يقلن: بوسعنا أن نفعل شيئاً حيال ذلك، وخاصة الناجين. أصبحن يستخدمن بعض المصطلحات الجديدة مثل الناجيات من السرطان، كما أنهن هجرن بعض الكلمات مثل “وفاة نتيجة الإصابة بالسرطان” ليستبدلنها بعبارة “رحلة السرطان”، “التغيير”، “القوة”، “تغيير نمط الحياة”   وتوجهن أكثر للكلمات الإيجابية والابتعاد عن الموت والهلاك.

من أكثر المواقف التي مرت بي وما زالت محفورة في ذاكرتي هو أنني بعد التشخيص الأولي الذي قمت به، رجعت إلى البيت بصحبة زوجي، وحين أخبرته، رأيت نظرة الخوف في عينيه، وعندها أغلقنا الحديث في هذا الموضوع. أتذكر أنهم قالوا لا بد من إنهاء الحمل، لأن الحمل من شأنه أن يزيد من الإصابة بالسرطان، وأتذكر أنني فكرت، “ماذا أفعل؟”. ما هو التصرف الصحيح؟  هذه هي الفرصة الأخيرة لإنجاب طفل لأني سأجري استئصال الرحم فيما بعد. ماذا أفعل؟  ومرة أخرى أنظر إلى وجه زوجي وعجزه عن الرد عليّ ولم أخبر أحداً.  حملت هذا العبء وحدي، مع يقيني بأنه قد يؤدي بي إلى الهلاك. حتى أنني لم أستطع أن أتحدث عن حقيقة إنهاء حياة طفلي أو عدم إنهائها، لأنني لم أكن أريد أن أتواصل مع أي شخص، لم أكن أريد أن أرى الخوف في أعين الآخرين. ففي تلك الأيام، عندما تقول كلمة سرطان، يقابلك الأخرين دائما بالصمت. ولذلك لم أخبر أمي أو أي شخص إلا بعدما أنهيت كافة الجراحات. وبالطبع عندما كنت في المستشفى

 بدأ الناس في القدوم لزيارتي. وأنا أجاهد مع نفسي للتحلي بالشجاعة والقضاء على مخاوفي، لأن الخوف الذي رأيته في أعين الآخرين ينعكس علي مكنون قلبي. ولكن مع مرور الوقت والانتهاء من العملية أدركت أن الصمت أنقذني على نحو ما، لأنه كان بإمكاني أن أتظاهر بأنه لم يحدث لأتجنب صمت الاخرين. كنت اتحدث كثيرا إلى نفسي، وأصمت عن الحديث حول السرطان مع الآخرين، لأتظاهر أن كل الأمور على ما يرام، وأنني أتطلع دائما إلى الأمام. ثم في الليل، عندما أخلد إلى نفسي أو أذهب إلى الخلاء، أشعر بالحاجة إلى الصراخ.. البكاء…النحيب .

لم أستطع إخبار أي شخص عن مرضي بالرغم أنني قضيت في المستشفى ستة أو سبعة أسابيع تقريباً. وعندما خرجت من المستشفى، طلبت من أمي أن تتولى رعايتي، ولذلك كان علي أن أخبرها بمرضي. لم أخبر بناتي قط حتى بلغن الثامنة عشرة . لم أكن أريد لهما أن يخافا علي من الموت. ولم أكن أريد أن أزرع هذا الخوف بداخلهما. كنت أنا من منعت نفسي عن إخبارهما. كنت دائما ألتمس لنفسي العذر بأنهما لم يبلغا من العمر ما يكفي، ولم أكن أريد أن أراهما مذعورتين، ولكنني في الوقت نفسه كنت أريد منهم أن يتحلا بروح المبادرة في فحص السرطان، وهذا كان من أكثر التحديات التي واجهتها في حياتي. كان يتحتم على إخبارهم. خضعت بناتي للتطعيم ضد فيروس الورم الحليمي، ويذهبن بانتظام لعمل مسحة Pap وما أدركته هو أنني لو كانت لدي الشجاعة الكافية للتصدي لهذا الأمر في وقت سابق، لجعلتهن يخضعن للمسحات في وقت مبكر، ولكن ما يهمني هو أن أتناقش وأتحاور معهن حول السرطان في وقت سابق وهو ما فعلته في نهاية المطاف. أعلمتهن أخيرا بالأمر ورأيت أنهن غير خائفات., أعتقد أن ذلك يرجع لنعمة الانتظار، فهم يروني الآن بعد 22 عاما شخص نشط يتمتع بصحة جيدة، والآن يفهمن حاجتي وما أطلبه منهن لأخذ خطوات استباقية. أما بالنسبة للآخرين؛ فقد فقدت الاتصال مع عدد قليل من الناس بعد ذلك المرض. أظن أن بعض صديقاتي كن خائفين فحسب، لأنني كنت شابة وصحيحة جسديا إلى حد كبير. كان هذا هو الأمر الرئيسي لم أكن شخصاً مريضاً. كنت سليمة جسديا وأولادي أصحاء جدا.

ولكن ما فعلته تجربة المرض بالنسبة لي مهد لي طريق حياتي الذي سلكته منذ ذلك الوقت. فالخيارات التي قمت بها في مجال التطوير والتنمية الذاتية والمهنية يرجع أساسهم إلى التجربة التي مررت بها والرحلة التي خضتها. فهي ما دفعتني إلى دراسة الدكتوراه في الميتافيزيقيا، فأنا منذ ذلك الحين حريصة جدا على تعلم علم الوراثة اللاجيني، لأن هذا العلم يساعدك على الفهم الكامل للخلايا الجسدية، كما أنه يعلمك أن الخلايا ما هي إلا انعكاس لبيئتك وليس الحمض النووي فقط، ولهذا السبب تتغير الجينات الوراثية. إن الخوف المزمن، وعدم الاعتناء بالنفس، يؤثر على جيناتك وهو أمر مخيف ولذلك عليك أن تنتبه لماذا أفعل ذلك بنفسي”، عليك أن تؤمن وتقتنع بأنك قادر على تغيير بيئتك إلى الأفضل. لابد وأن ندرك أن وجود أهمية هذه البيئة الداعمة واستبدال الخوف بما يقدموه لنا من دعم ومساندة. لأن الخوف شديد السمية، وقد يؤثر علي جسدك ويؤذيه. بل ربما يصل الأمر إلى الجينات.

عندما ذهبت لإجراء الجراحة، كنت شجاعة ولا اهاب المرض. أخذت نفسا وذهبت إلى هناك وأنا أحدث نفسي بأنني قوية وشجاعة وسأجتاز هذا الزائر الكريه. أعتقد أن الجانب الروحي للمرض هو الإيمان، ومدى قوته لدى الشخص، وكيف يمكن للإيمان أن يكون مصاحبا للمريض طوال فترة علاجه.

لقد جعلني المرض شخصاً أفضل فقد أوضح لي ما دوري وهدفي في الحياة ـ عندما أنظر إلى كل الأشياء التي كنت أخطط لها قبل إصابتي بالسرطان، أجدها تغيرت عبر تلك السنوات، لأجعل حياتي مكرسة للرعاية والطب الوقائي. ومن ثم حصلت على درجة البكالوريوس في الطب البديل. بعد أن كنت ربة منزل وأم لثلاثة أطفال – من كان ليتصور ذلك؟ درست علم الأيورفيدا في الهند. من كان يظن أن ربة منزل كانت لتفعل ذلك؟ بوسعي أن أتطلع إلى الوراء لكي أرى أن كل شيء قمت به دون خطة قادني إلى الحصول على درجة الدكتوراه، وإلى التواجد في قطر لبناء مركز طبي يهتم بصحة المرأة، وإلى التواصل معها، وأخيرا و بعد 27 عاما استطعت رواية قصتي على الأخرين ومشاركتها معهم.

حتى في السنة الخامسة التي كنت فيها خاليًا من السرطان، كنت أتعرق وينتابني الأرق، وأفكر ماذا لو عاد السرطان؟ المثير للاهتمام أنك لا تفعل ذلك مع أي مرض آخر. إن كل المصطلحات التي نستخدمها تصف هذا المرض بأنه وحش، وبمجرد أن تكون في قبضته فإنه يستحوذ عليك، ولكن إذا كان بوسعنا أن نغير الحوار ليكون “كم تبدو نشيطا وقويا اليوم” أو “إن خلاياك الدموية رائعة اليوم”. إذا ما بدلنا أساليبنا في التعامل مع السرطان واجتهدنا في صياغة مفردات إيجابية جديدة، كأن نقول “دعونا نرى ما إذا كان بوسعنا أن نضيف قائمة للأعمال التي سنجريها في الأعوام الثلاثة القادمة الخالية من السرطان”، قد تكون هذه محادثة مختلفة تماماً حول المرض، بدلاً من أن تقول “دعونا نرى ما إذا كان قد عاد” أو “دعونا نرى ما إذا كنت ما زلت خاليا من السرطان”

أرى أنه من المهم لمهنة الطب أن تعيد صياغة الطريقة التي تتحدث بها عن السرطان مع المرضى. فتغيير عبارات مثل “أنا آسف للغاية، ولكن لا بد من قدومك إلى المركز الصحي…” أو “لن نتصل بك إلا إذا كان هناك مشكلة صحية ما” ــ أو نغير بعض العبارات التي يسمعها  المريض مثل: “سنهاتفك  إذا كنت مصاباً بالسرطان، لأن هذه النوعية من العبارات تزيد من القلق والاضطراب أثناء ساعات الانتظار. إذا مررت بتجربة فحص إيجابية، سيكون من السهل عليك معاودة الفحص مرة أخرى. بدلاً من إخبار المرضى “بأنهم لن يظلوا على قيد الحياة أكثر من شهرين”، لماذا لا نخبرهم بأن النظام الطبي سيبذل قصارى جهده لإرسالهم إلى بيتهم ويدفعهم إلى التركيز على نوعية حياتهم، ونظامهم الغذائي.

Read more...

رونا : لا تفقد الأمل لتفوز بمعركتك ضد السرطان

أول سؤال طرحته– رونا – على الأطباء كان: هل سأموت؟ كان هذا في يوم 2 يوليو 2019 كنت أعيش وحدي في قطر وتم تشخيصي للتو بالمرحلة الرابعة من سرطان الثدي النقيلي.

تعيش أسرتي في الفلبين حيث موطن رأسي بينما أعيش هنا في قطر وحدي لأنني العائل الوحيد لأسرتي. المرض غير مقبول بالنسبة لنا، فليس له مكان ، وضع أخصائي الأورام خطة العلاج ونظرًا لأنه كان عليّ أن أعيش وأحارب السرطان، أنصت جيدًا لكل ما طلبه منى واتبعت جميع إرشاداته.

وإليكم قصتي:

قبل قدومي إلى قطر، كنت أعيش بدولة البحرين من عام 2017 حتى عام 2019، بدأت أشعر بالألم وأن هناك شئ ما ليس على ما يرام في بداية عام 2019، وعندما ذهبت إلى الطبيب في البحرين، أخبرني بأن الألم ما هو إلا خلل هرموني وأن الأمور طبيعية، وانتهى الأمر عند هذا، لم يكن لدي فرصة أو وقت للذهاب إلى المستشفى ولذلك تفاقم المرض.

في عام 2019 حصلت على وظيفة بالدوحة، وقبل أن تظهر نتيجة التشخيص، توقعت أن يكون لدى سرطان وتوقعت أن يكون المرحلة الرابعة، فأنا أعاني من كافة العلامات ” تكتل، نزيز دم، رائحة كريهة، تغير في اللون”، فور استقراري بالدوحة، ذهبت إلى المستشفى. انتظرت وقت طويل وعندما دخلت لأول مرة إلى غرفة الطوارئ ووضع الممرضات أسورة المرضى على معصمي انفجرت في البكاء.

 قاموا في مستشفى حمد بعمل صورة شعاعية للثدي وأخذ خزعة، ثم قاموا بعمل أشعة مقطعية دقيقة جدا ن ثم أخبروني بالتشخيص، شرح لي الأطباء أن المرحلة الرابعة من سرطان الثدي النقيلي تعتبر مرحلة شرسة؛ مما يعني أنه بالرغم أن السرطان بدأ في صدري إلا أنه ينتشر وراء صدري وبالقرب من الغدد الليمفاوية ليصل إلى جميع أعضاء الجسد مثل العظام والكبد، طلب مني الفريق الطبي أن أخضع إلى 6 جلسات من العلاج الكيماوي، لتشتمل الخطة العلاجية فيما بعد على الجراحة والإشعاع.

 استحال عليّ في هذا اليوم أن أتفهم التشخيص وأن أدرك ما أنا قادمة عليه، كما أنني سالت عن تكلفة كل هذا العلاج، وقتها شكرت الله على وجود الجمعية القطرية للسرطان والتي تحملت تكلفة العلاج كلية وتبرعت بتمويل معركتي ضد السرطان.

وبالرغم مما يدور في ذهني من شكوك، قلت لنفسي أن المعركة بدأت الآن. كنت ممتنة لله، ثم الجمعية القطرية للسرطان. فقد أرسل لي من يساعدني وأنا أتوجه إليهم جميعاً بأسمى معاني الشكر والعرفان بالجميل.

بدأ علاجي على الفور. بأول جلسة من العلاج الكيماوي في نفس الشهر وكان رد فعلي سيئَا للغاية ، الأدوية التي أعطيت لي جعلت جسدي يرتجف ،  تأثرت سلبياً أيضًا أثناء الجلسة الثانية من علاج الكيماوي ،  وبناء عليه فإنه بعد كل جلسة من جلسات الكيماوي، يرسلني الأطباء إلى المستشفى لمدة أربعة أو خمسة أيام لأني أكون منهكة وأعاني من الإعياء الشديد ، اخذ عدد كريات الدم البيضاء في النزول إلى مستويات حرجة جدًا في بعض الأحيان.

كنت أشعر في بعض جلسات الكيماوي بالاختناق. لم يستطيعوا تغيير العلاج ولكنهم بذلوا قصارى جهدهم لتخيف الألم حيث كان العلاج الكيماوي قاسياً ومرهقًا للغاية، وفي ثالث ورابع وخامس وسادس جلسة من الكيماوي، لم يعد لدي أي مشكلة، وبعد مرور ست جلسات من العلاج الكيماوي، كنت على ما يرام. ، لا أدري لماذا كنت أبكي ولكني بكيت وانتحبت كثيرًا، ،تخيل معي: ليس هناك ألم ولكنك تريد أن تبكي وتبكي. تشعر بأنك خائر القوى. لا تستطيع تناول الطعام في العيادة التي يخضع فيها المرضى للعلاج الكيماوي، تجد ستائر تفصل بين المرضى. أسحب هذه الستائر في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى أود لو أستمع إلى أنغام الموسيقى، قابلت مريضة سرطان فلبينية هنا، لم تخبر عائلتها بمرضها في بادئ الأمر.

أتذكر أنه عندما أخبرت أسرتي، كان هذا المواقف من أصعب الأوقات التي مررت بها أثناء رحلتي مع السرطان، فاطلاعهم على ما أمر به غير علاقتنا تمامًا، أصبحنا أقرب لبعضنا البعض ، وقبل أن أخبرهم لم نكن نتحدث أبدًا على الهاتف يوميًا ، كنت أتصل بهم متى أتيح لي وقت أو هم يتصلون بي. ولكن حاليًا ولأنهم دائما قلقون علي، فإنهم يتصلون بي يوميًا ليسألوني عما أشعر أو أحس، فأقول لهم: أنا بخير لا داعي للقلق. كانت جدتي على الأخص قلقة عليً جدًا بالرغم من كونها طاعنة في السن ن وكان هذا غريبَا بالنسبة لي. فأنا الوحيدة في العائلة التي أصيبت بسرطان الثدي، أجريت اختبارات جينية عن سرطان الثدي وكانت النتيجة سلبية.

وبالرغم من قساوة العلاج الكيماوي، غير أني بدأت أشعر بأني أقوى من ذي قبل، كان الأطباء يمزحون معي. فيقولون “يبدو أنك تتظاهرين بكونك مريضة سرطان” لأني كنت دائمًا متفائلة ومبتهجة وسعيدة ولم أبدو في أي وقت أني مريضة، كنت أشعر أني محظوظة لأن الله يحبني.

كنت أعلم جيداً أن من الصعب أن ينجو مريض سرطان في المرحلة الرابعة، ولكني حافظت على إيجابيتي وتفاعلت مع الحياة كأن شيئًا لم يكن. فدائما ما أحدث نفسي وأخبرها “أنني لست مريضة”. أنا نفس الشخص الذي كان قبل السرطان، أريد أن أظل سعيدة.، رغم أنني فقدت حواجبي. فأنا أحب أدوت التجميل والأزياء، وأعشق الفن وتغيير المظهر الخارجي فهما يمثلان متعة لا تضاهي بالنسبة لي.

وكنت أشعر في بعض الأحيان أنني أريد أن أخرج لزيارة الأماكن المختلفة والتمتع بما لم اعتد عليه من قبل، كنت أريد تجربة الأشياء المجنونة مثل ركوب الأمواج والتسلق على الجبال وأن يكون لدي بعض المغامرات العجيبة قبل أن ينتهي أجلي.

ولكن قبل هذه الأشياء أتذكر أبنائي الأربعة واحتياجهم لي، فما زالوا صغار ولا يعلمون شيئًا عن الحياة. بدأ عقلي في التفكير، كيف سيذهبون إلى المدرسة؟ من أين سيأكلون؟ أين سيعيشون؟ زوجي ليس له عمل دائم، جدتي كانت هي من تتولى تربيتي، لأن أمي كانت تعمل خارج البلاد، ووالدي لم  أراهم إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لم أراهم أبدا بشخصيهما، أتعرف هذا الإحساس، أن تفتقر إلى شخص ما بجوارك وأنت تكبر؛ هل تعرف معنى أن تعيش في بيوت مختلفة تنتقل من إحداها للآخر وأنه لا يوجد لك مستقر. كم هو أمر شاق – وهذا ما تبادر إلى ذهني فور علمي بالسرطان، لا أريد لأبنائي أن ينفصلوا عن بعضهم البعض وأن ينشئون في بيوت أو أماكن مختلفة ، يقيم أطفالي مع جدتي وقد استأجرت بيتاً صغيراً لهم وأتحمل نفقاتهم في كل ما يريدونه. وهم كانوا كل ما تمسكت به يداي طوال فترة علاجي. فأنا أعيش من أجلهم.

وعندما انتهت جلسات الكيماوي في شهر ديسمبر، علمت أنه المرحلة القادمة هي مرحلة الجراحة، كان من المتوقع أن أخضع للعملية بتاريخ 29 يناير 2020، كنت يوم 25 يناير في العمل، عندما اتصل بي منسق من عيادة الثدي وقال لي أن الطبيب يطلب مقابلتي في المساء لتحديد موعد دخول المستشفى لإجراء الجراحة ، قال لي الطبيب أنه علي دخول المستشفى في نفس الليلة لأن موعد الجراحة غداً ، كانت لحظة حرجة ، ولكني كنت متحمسة جدا لأنني انتظرت الجراحة لمدة طويلة لتتغير حياتي بعدها إلى ما هو أفضل. استأصل الأطباء الجهة المصابة من الثدي بالكامل. تقبلت الأمر بل الأكثر من ذلك أنني أدركت كم أنا محظوظة لأنني ما زلت على قيد الحياة.

بعد انتهاء الجراحة، اندهش الأطباء لأنني بعد ساعتين من الجراحة كنت في مقهى المستشفى. بدأت في التجول وكأني إنسانة عادية جداً وكأن شيئًا لم يحدث، كنت أمزح مع الممرضات، وأتبادل معهن النكات. وأقول لهم حتى صدري تركني. كنا نضحك ونمزح حول ما حدث ، مكثت في المستشفى لمدة ثلاثة أيام حتى يسترد جسدي عافيته.

وبالرغم من صعوبة كل الأيام الماضية وكل ما مر بي؛ حاولت الحفاظ علي سعادتي. كنت في بعض الأحيان أقضي الوقت في الغناء أو عمل مدونة مرئية ، فكنت أسجل في مدونتي رحلتي مع السرطان وكافة طرق العلاج من حقن إلى أدوية ، إلى حياتي داخل المستشفى (كان طعام المستشفى رائع جدَا)، كيف ساعدني كل من هم حولي ، أصبحت بعد هذه الجراحة أكثر نضجًا وتعلمت كيفية التعامل مع المواقف المختلفة بمزيد من الإيجابية  ، وأردت أن أظهر للناس أنه وبالرغم من إصابتي سرطان الثدي النقيلي، فأنني ما زلت أعمل الكثير وأن السرطان لا يعني نهاية العالم ، يجب أن نخوض معركتنا ضد السرطان وأن لا نفقد الأمل.

السرطان ليس رحلة لشخص واحد، فهو يشمل الكثيرون، ممتنه لكل من قدم لي يد المساعدة.  أشكر جدتي وخالتي على كل ما قدمتاه لي من وسائل دعم، أصدقائي في قطر لم يتخلوا عني فكانوا يصطحبونني إلى البحر لأنني عاشقة للطبيعة، زملائي ورئيسي في العمل لم يبخلوا علي بتقديم كل ما بوسعهم، لم يكلفوني بأي عمل شاق أو مرهق، أعطوني مهام بسيطة وسمحوا لي بإجازة مرضية، وكم أنا ممتنة أيضاً للجمعية القطرية للسرطان على كل ما تقدمه من إسهامات.

إيماني بالله ساعدني كثيرًا، أظن أنه بدون إيماني بالله، لم أكن لأتجاوز هذه المرحلة الصعبة، أعلم أن الله يحبني ولهذا منحني هذا الابتلاء، أنا أثق في كل عطايا الله وأرضي بها، كنت على يقين بأن كل هذا سينتهي وسأرجع إلى سابق عهدي، والآن نصيحتي هي ” “تذكر دائما أن هذا الوضع مؤقت، ومؤكد أنك سترجع إلى حياتك الطبيعية”، عليك فقط أن تتحلى بالصبر والإيجابية والشجاعة والإيمان بالله.

في 12 أبريل 2020 أنهيت العلاج الإشعاعي، وأظهرت التقارير عدم وجود أي أثار متبقية من سرطان الثدي في الأنسجة أو الغدد الليمفاوية، أصبحت متعافية من السرطان.

والآن رسالتي لكل الأطباء “عليكم بالصبر مع مرضاكم ، اعملوا كل ما بوسعكم لخلق الأمل في نفوسهم” ، أمنيتي لنفسي في العشر سنوات القادمة أن أكون قادرة على مساعدة المرضى  الذين يمرون بنفس الموقف الذي مررت به.

يمكنك الاطلاع على مدونة رونا المرئية على:  https://www.youtube.com/channel/UCl2EJYa8L-EP4HsbgcMJ1_A/featured

Read more...

استيف متعافي من سرطان البروستات: من وسط الظلام ينبثق شعاع الأمل

يعمل استيف أستاذًا للغة الإنجليزية بكلية المجتمع في قطر، ويصف في السطور القادمة رحلته مع مرض السرطان من منظور إيجابي.  بدأت رحلته عندما لاحظ وجود بعض المشكلات في المثانة وزار الطبيب لفحصه. كان يظن أنه مجرد تضخم في البروستاتا (تضخم لا يمثل أي تهديد لغدة البروستاتا)، لان هذه حالة مرضية معتادة للرجال في هذا السن، فليس هناك داعٍ لأي قلق. ولكن الطبيب طلب اختبار المستضد البروستاتي النوعي. وأظهرت نتيجة الاختبار ارتفاع في المستضد البروستاتي. ذهب استيف إلى طبيب مسالك بولية والذي بدوره طلب مزيد من الاختبارات وأشعة رنين مغناطيسي وعمل خزعة.  جاءت الاختبارات مؤكدة وجود خلايا سرطانية في البروستاتا، ولكي يخفف عنه الطبيب وطأة الفجأة من مرض السرطان، قال له أن هذا النوع غير عنيف.  ولكن للأسف لم تستمر سعادة استيف فترة طويلة. أُرسلت عينة الخزعة إلى أخصائي علم الأمراض بمستشفى حمد العام للتأكد منها. وأوضح الرأي الثاني أن هذا النوع من السرطانات شرس وخطير عما اعتقده الجميع. حزن استيف جدا لسماع هذه الأخبار.

يعيش استيف وحيداً داخل قطر؛ بعيداً عن أسرته وموطنه ولكنه حاول التكيف مع سرطان البروستاتا رغم صعوبته. “هذه هي الحياة ……حياة وموت” كانت هذه العبارة واصفة لما يحدث استيف به نفسه في هذه الأوقات المظلمة.  لم يكن لديه من يقدم له الدعم المطلوب أو من يتبادل معه أطراف الحديث حول حالته.  يبدو أنه لا بد لليل أن ينجلي، وهكذا أراد له القدر أن يقابل صديقته القديمة، والتي حالت بينهما الأيام لعدة سنوات.  يصف استيف هذه الصديقة بأنها عطوفة وحنونة وودودة. كانت تعمل كمدربة يوجا، شجعته على البدء في ممارسة اليوجا وتغيير نظام حياته.  أثارت هذه الفكرة سعادة أستيف حيث انه كان متشوق إلى تغيير نظام حياته وتحويله إلى حياة صحية، ” أحتاج إلى مزيد من النظام” “أحتاج إلى ممارسة رياضة”، أقلع استيف عن التدخين وتوقف تماماً عن تناول الكحوليات؛ ” كنت أظن أنه يستحيل لي أن أقلع عن التدخين، ولكن عندما قرر عقلي وقف التدخين، وجدت أنه ليس هناك مستحيلاً. لم يكن الأمر إلا فكرة “اتخاذ القرار بأن أحيا حياة صحية”. استبعد استيف اللحم من نظامه الغذائي وفقد من وزنه 10 كجم.. وعلى رأس أولويات استيف لتغيير نظامه الغذائي وعاداته السيئة مثل التدخين وخلافه، بدأ في تخصيص وقت يومي لليوجا والتأمل والتفكر.

 ومع مرور الوقت واقتراب موعد الجراحة، استمر استيف في إعداد نفسه وتجهيزها للجراحة. بدأ في الاطلاع والقراءة لمعرفة ما هو مرض سرطان البروستاتا. “قرأت بشغف كل ما وصل ليدي عن سرطان البروستاتا”. ثم قرأت وقرأت ……..عن كافة أنواع السرطان. وكجزء من التوجيهات التي تسبق العملية، تقابل استيف مع ثلاثة رجال آخرين سيخضعون لنفس العملية في نفس الوقت.  ارتبط استيف بأحد رجال مجموعته الجراحية. وصارا يتبادلان أطراف الحديث عن الدور الروحاني ويعبران عن مشاعرهما وخبراتهما لبعضهما البعض، عندما أصبح فرداً في مجموعة لها نفس التجربة، شعر بالراحة ولم يعد وحيدًا.

 وعلى الرغم من آلام العملية التي استمرت ليومين، سرت العملية بسلاسة؛ وتعافي استيف بسرعة دون وجود أي أعراض جانبية وخرج من المستشفى بعد ثلاثة أيام.  وبينما يتعافى استيف في منزله، اعتاد هواية جديدة وهي الرسم بألوان الاكريليك. كان الأمر مدهشًا وغريبًا لستيف لأنه لم يحب الرسم في يومٍ من الأيام. أضحى الرسم ملاذه ومبتغاه. يصف استيف الرسم قائلاً: أمسى الرسم وسيلتي في التعبير عما يكمن في داخلي.  عشق استيف الألوان الزاهية فتحدث قائلًا: “كنت بحاجة إلى شيء إبداعي”، كنت أتوق إلى ألوان تحيط بي من كل جانب”. أعاد تزيين منزله بكثير من الألوان المثيرة الرائعة. واستبدل السجاجيد القديمة بأخرى جديدة، وقام بتغيير بعض أجزاء الأثاث ووضع اللوحات التي رسمها على الجدران. زاد استيف من علاقاته بالنباتات وزرع كثير منهم لتحيط به. كان يتجول لفترات قصيرة في حديقة الحي ليستمتع بالنباتات والحصول على طاقة إيجابية منهم. “كانت هذه الطاقة الإيجابية ……طاقة روحانية …تأتي من عند الله. كنت أشعر وكأن شخص ما يربت على كتفي قائلًا: انتبه!!! لديك منحة للحياة أغتنمها

إن قصة استيف قصة ملهمة ؛؛؛ تعلمك أن القوة تكمن في داخلك. ، فمن وسط الظلام ينبثق شعاع الأمل بالرغم أن وجود الأسرة والأصدقاء وإحاطتهم بك في الأوقات العصيبة يضيف كثير من الراحة، إلا أن الراحة الحقيقية واليقين ينبعثان من الداخل ، أنت قادر على تغيير حياتك. نصيحة استيف لمرضى السرطان أن يكونوا مبادرين وأن يتحكموا في صحتهم.

“انخرط تماما في مرضك، وطرق علاجه وانتبه كثيرا لنظم العلاج. لن يهتم أحد بصحتك أفضل منك… إنها حياتك أنت.. وصحتك أنت”.

Read more...

فاطمة جمعة.. متعافية من سرطان الثدي : ستتعافي وتروي قصتك للآخرين

لا تكفي الموجات فوق الصوتية لاستبعاد الورم الخبيث ولا بد من أخذ خزعة” هكذا تبدأ قصة فاطمة جمعة المتعافية من مرض سرطان الثدي والتي تبلغ من العمر 33 عامًا قصتها عندما كشفت الخزعة عن وجود خلايا سرطانية في أبريل 2017.

تقول فاطمة: “شعرت لحظتها بالانهيار، كثيراً ما سمعت عبارة “أنا مريض سرطان” ولكنني لم أكن أدرك ما تعنيه هذه العبارة. إذا كنتِ تعتقدي أنك تعرفين ما معني “سرطان” لأنك سمعت عنه من قبل، فهذا يعني أنكِ لا تعرفي ما هي حقيقة السرطان، الأمر مختلف تماماً عما تعرفيه.  لقد صدمني ما سمعته من الجراج، نطقها على الفور، نطقها بنبرة تفتقر إلى أي نوع من الشفقة: “أنت مصابة بالسرطان ،  لم يكن لدي تاريخ عائلي للإصابة بالسرطان، وطالما لا يوجد مصاب بعائلتك فأنتِ تستبعدين الأمر تماماً من مخيلتك. تظنين أن هذا الأمر يحدث للآخرين ولكنك بعيد عنه تماماً، ولذا عندما يحدث لك، تأتي المفاجأة أو بمعني أدق ” الصدمة “.  لم استطع تقبل التشخيص. دخلت في نوبة من البكاء كنت أبكي دون تفكير بسبب كل الأشياء التي نسمعها عن السرطان. كنت في حالة إنكار. تنقلت بين الأطباء وبين المراكز الطبية المختلفة لعلي أسمع تشخيصاً مختلفاً. ولكن دون جدوى.. مما دفعني في النهاية إلى تقبل الأمر وهنا وجدت أنه يتحتم علي أن أتوكل على الله وأن استسلم لقضاءه وأن أتحلى بالشجاعة أمام أسرتي وأمام أطفالي.

عندما تبدأين هذه الرحلة، تتساءلين، هل ثمة شخص أخر يمر بهذه الرحلة؟ تستهلين الأمر بالسؤال داخل دائرتك ومن ثم تأتيك الإجابة بقصص نجاح لسيدات مررن بنفس الظروف التي عشت بها واجتزن المرض بنجاح وتعافين منه، وكذلك أنت ستتعافين  وتنجحين في  هزيمته وستروي قصتك للآخرين. ستجدين القوة في قصص الآخرين. وهذا ما أقوم به الآن إزاء مرضي السرطان لأنني أعلم كم هو موقف عصيب ولكن عندما تجدين أن هناك أمل أو أن هناك نور في نهاية الطريق، تختلف رؤيتك للأمور تماماً.  أعلم أنك على يقين بأن الأمور لن تسير بسهولة.  حالما تجدين نفسك تتحولين من شخص يمارس حياته بأريحية إلى شخص يتنقل بين المستشفيات وقضاء جميع أيامه في ارجائهاـ.. يا له من موقف عصيب؛ فنادرًا ما كنت أذهب إلى المستشفى ولكني الآن مضطرة إلى الذهاب حينا بعد حين؛ ما بين مسح إشعاعي وعلاج كيميائي وفي أثناء العلاج الكيميائي يجب أن تكوني على درجة عالية من الحرص وأن تتمتعي بالقوة لتمر هذه المرحلة بهدوءٍ وسلامٍ.

رسالتي إلى كل سيدة تمر بهذه المحنة هي العثور على شخص يمكنها الوثوق به، شخص يمنحك القوة اللازمة للاستمرار. وهذه أحد الأسباب التي تجعلني ممتنة للجمعية القطرية للسرطان لما تقدمه من برامج تقدم الدعم لمرضى السرطان.

بالنسبة لي، كانت عائلتي مصدر قوتي. فبدون دعم عائلتي لكان من المستحيل اجتياز هذه المرحلة الحرجة.  كان زوجي سندي ومصدر قوتي، ثم عائلتي التي قدمت من كندا خصيصاً لمساندتي والوقوف إلى جانبي – كان الجميع بجانبي أمي وأبي وجميع أخواتي وإخوتي لم يتركوني نهائياً. فهم من تولى أمر إعداد الطعام والاهتمام ببرنامجي الغذائيّ. لا بد أن تحتاجين في هذه المرحلة إلى شخص يساعدك لتكوني أقوى على محاربة أية آثار جانبية قد تحدث أثناء العلاج الكيميائي والإشعاعي حيث يكون الجسد بأضعف حالاته، ولذا تحتاجين للمساعدة في كافة المناحي اليومية من مساعدة نفسية إلى بدنية إلى غذائية وصحية…إلخ. كانت عائلتي دائماً بجانبي، فعندما أغادر المنزل للذهاب إلى المستشفى، تتولي عائلتي الاهتمام بأطفالي الذين يستحيل عليهم تدارك ما أمر به،  أو فهم ما يدور حولهم.  فمن المواقف التي مررت بها ولا يمكن تناسيها، عند سقوط شعري كان آبنائي يخافون ويقولون”ماما.. لا نريد أن نراك بدون شعر…”  ولكني أطلب من كل أم تمر بهذا الموقف أن تُفهم آبنائها ما يحدث وأن تعمل على انخراطهم في تلك الأزمة لأن دروب الدهر في تقلب دائم فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة فهي بين حلو ومر، سهلٌ وعسيرٌ  عليك أيتها الأم أن تعلميهم أنك مريضة سرطان وأن هذا الوضع مؤقت ولن يدوم طويلا بإذن الله.

 شعرت أثناء مرحلة العلاج، عدم مقدرتي الجسدية على تلبية طلبات أطفالي، فجسدي هزيلاً وضعيفاً للغاية، ولكن كان حديثاً  أخراً  يدور في ذهني، كنت أظن يقيناً أن هذه فترة مؤقتة وستمضي لتكون ذكرى من الماضي.  عندما تعلمين إصابتك بالمرض، من الأفضل ألا تفكري في الماضي أو تتسائلين لما حدث هذا، بل عليك البدء فورا في اتخاذ خطوات العلاج واللجوء إلى الله بالصلاة والدعاء واتباع نظام غذائي صحي حتى تصبح هذه الأيام مجرد ماضي. أعلم أنه عندما يخبرك الطبيب أو المختص بأنك مريضة سرطان، يتبادر إلى ذهنك وقتها أنه لا يوجد لديك الكثير من الوقت وأنه قد اقترب الأجل، لكن علاج السرطان حالياً يختلف كثيرا عما اعتدنا عليه في الماضي. استطاع الأطباء حاليا معالجة كل الآثار الجانبية والقضاء عليها.

لا تنظري إلى السرطان كإنذار بالموت؛ ما عليك سوى تنفيذ ما يطلبه منك الطبيب، ابحثي عن طبيب تشعرين معه بالإرتياح، طبيب تثقي بما يصفه لك من علاج، حاولي دائمًا أن تكون قوية لمصلحتك أولا ولأبنائك ثانياً ولعائلتك أخيرًا.

عندما اقترح طبيبي خطة العلاج لأول مرة، رفضت العلاج الكيميائي، لكنه قال عليك القيام بذلك لأنك ما زلت في سن الشباب وأن السرطان يتصف بالشراسة والهجوم ولذا عليك اجراء الجراحة ثم الخضوع للعلاج الكيميائي والإشعاعي. وافقت على ما تلقيته من تعليمات، ولكني رفضت العلاج الكيميائي ومن ثم دخل الطبيب في نوبة من الضحك وقال لي إذا كنت ابنتي، فلن أتواني عن إقناعك بإجراء العلاج الكيميائي لأنه يضمن لك نسبة عالية من الشفاء ويمنحك فرصة الحياة لفترة أطول وقدم لي إحصاءات تتعلق بنوع ومرحلة سرطان مشابهة لما أمر به وعندئذ وافقت ونفذت كل تعليمات الطبيب.

 لم يكن الأمر سهلاً، ففي كل مرة تأتي الممرضة لإعطائي العلاج الكيميائي، كنت أبكي لما أشعر به من يأس ولكنها دوامت على إعطائي الأمل. كانت تقول إنها تتعامل مع مرضى سرطان طوال الوقت وأنني سأتغلب على المرض وسأحظى بشفاءٍ تامٍ. ولكن حينما تدخل غرفة العلاج، تتهاوي كل هذه المشاعر، وكمريضة بدأت أسأل نفسي عما يحدث لي، هل سأعيش، هل سينجح هذا حقًا؟ كانت مشاعري مختلطة ومبهمة. ولكنني أدركت أنه إذا استطاعت أن أكون أكثر سعادة وإسترخاء أثناء تناول العلاج، فسيكون ذلك أفضل لي. قال لي أحدهم “لا يكلف الله نفسا إلى وسعها” وطالما أن الله اختارني لهذا الإبتلاء فسأنجح وحينها سأقترب أكثر من الله، وسأحصل على مزيد من الحسنات. ما يُصيبُ المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزنٍ، حتَّى الهمَّ يُهمُّه، إلَّا كفَّر به من سيِّئاتِه) دفعتني هذه الكلمات إلى الاستمرار……….إلى المضي قدماً… حاولت أن أفكر في السرطان كهدية من الله كنعمة وليست نقمة.

في السنة الأولى بعد الانتهاء من الجراحة، والعلاج الكيميائي والإشعاعي- وكل هذه المتاهات الجديدة ، يبدأ الجسم التعود عليها. ما أدركته أثناء مرضي، أنه في ذروة الاحساس بالمرض، تشعرين وكأنك حياتك القادمة كلها ستمضي على نفس المنوال- ولذا تشعرين بالخوف والرهبة لما تخضعين له من علاج كيميائي وإشعاعي ولكن بعدما تنتهين من هذه المرحلة، تأتيك مرحلة جديدة …مرحلة انتقالية… وهذا ما انتابني، وينتاب كل مرضى السرطان، وهو أن تجدي نفسك من جديد وأن ترجعي لحياتك السابقة…….لكنه أمراَ صعباً شاقاً- لأن جسمك في الفترة الماضية قاوم وحارب كل الأشياء الجديدة التي حدثت له… وتبدأين حينها في البحث عن نفسك وتقولين لنفسك لا بد أن أرجع لحياتي …لما كنت عليه من قبل – يجب أن أجد مكاناً مريحاً لي ولكن الأمر ليس بهذه السهولة فقد يستغرق سنة أو سنتين وعندما تصلين إلى هذا المكان، تجدي أن الله وهبك حياة من جديد. تجدين الضوء في نهاية النفق المظلم، تجدين ضوء الشمس بازغاً بعد ليلٍ دامسٍ.  تشعرين بأنك أحسن من ذي قبل.

 في كل مرة تظنين أن الأمور لن تتحسن، تيقني أنها ستتحسن – لكن جسدك يحتاج إلى وقت حتى يعتاد على كل الأشياء التي مر بها وعندما تتجاوزين تلك المرحلة، اعملي على إصلاح ذاتك لتصبحين الشخص الذي تريدين. أعدي خطة لنفسك وحققي أهدافك – عندما تحققين هذه الأهداف، ستشعرين أنك أفضل وستعودين شخصاً طبيعياً مرة أخرى.  هذا ما حدث لي وما مررت به، مررت بهذه المرحلة الإنتقالية والآن عدت إلى وضعي الطبيعي. أعمل الآن كمحاضر عام لنشر الوعي ضد مرض السرطان. لم يخطر لي ولو للحظة أنني سأعمل ذلك في يوم من الأيام ولكن بعد الفترة الانتقالية التي مررت بها والحرب التي خضتها ضد مرض السرطان، يُحتم علىّ الواجب أن أساعد الآخرين وأن أبث الأمل في أعماقهم.

أكثر ما أفتخر به هو أنني انتقلت من كوني مريضة سرطان إلى موجهة تنشر الوعي حول سرطان الثدي وهذا هو أكبر إنجاز لي في حياتي كلها. فأنا صيدلانية تخرجت من كلية الصيدلة، ولكن هذا هو أكبر إنجاز لي فأنا أجري الآن أبحاث حول سرطان الثدي” .

Read more...

عبدالرحمن: هذه الرحلة جعلتني أقوى مما أظن

بطلنا المغوار في هذه القصة هو ((عبد الرحمن)). فتى قطري يبلغ من العمر 13 عاماً، تغير كلية عندما بلغ من العمر ثماني سنوات والذي يحكي لنا قصته قائلاً :

 بعد شهر من عيد ميلادي الثامن وبينما ألعب مع أبناء عمومتي وأخي في المنزل، أخذتني أمي إلى مركز طوارئ الأطفال بالسد، كنت أظن أنه فحص دوري، لأنني كنت أمرض بصورة متزايدة عن جميع أقراني.  أخبرت أبناء عمومتي أنني سأعود قريبًا جدًا ، وسنعاود لعبنا فور رجوعي من المستشفى ، لم أكن أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة التي أري فيها أبناء عمومتي لمدة ثلاث سنوات قادمة،
عندما أخذتني أمي إلى طوارئ الأطفال، توقعنا أن تكون نتائج الفحص مماثلة لما اعتدنا عليه في الزيارات السابقة، ولكن ما حدث أن الممرضة والطبيب أخبرانا بضرورة الانتقال إلى غرفة العزل مما أثار شكوكنا ، ونظرا لأني كنت في الثامنة من عمري بالكاد فهمت ما كان يحدث من حولي، ولكن كان الوضع نفسه بالنسبة لأمي ، فالطبيب لم يفسّر لماذا اضطررنا إلى الانتقال إلى غرفة العزل.

عندما جاءت الممرضة لبدء الحقن، سألتها والدتي هل تم وضعنا في غرفة العزل للحفاظ على سلامة الآخرين، حيث اعتقدت أمي أن لدي مرضًا معديًا.
أجابت الممرضة قائلة: “إن هذا من شأنه أن يحافظ على سلامة ابنك من الآخرين”، كان الرد بمثابة صدمة لي ولأمي.

في غضون ساعة كنت في سيارة إسعاف للانتقال إلى مستشفى حمد العام، ولم أعرف بعد لماذا كل هذا ، فور وصولي إلى المستشفى، بدأت مجموعة أخرى من الممرضات في عملية أخذ عينة  مرة أخرى من الدم تحتوي على الصفائح الدموية ، ومع كل هذه الفوضى والقلق اللذان يحيطان بنا من كل جانب، احتفظت أمي برباطة جأشها فكانت مثل مصباح يضيء لي الظلام المحيط ، كانت والدتي قد اتصلت بوالدها (جدي)، وأخبرته عن هذا الموقف، مما حمله إلى البكاء، لأن صديقه الذي تم تشخيصه من قبل بمرض السرطان خضع لإجراء مماثل..
أصيبت أمي بالإحباط لعدم وجود من يقدم لنا أي إجابات، فبحثت بنفسها على محرك البحث “جوجل” على كل الأعراض واستنتجت أنني مصاب بمرض سرطان الدم ،  وقد قوبلت هذه النتيجة بالتردد من الأطباء، وقضيت أنا وأمي اليوم بأكمله في مستشفى حمد دون أن نعرف لماذا نحن هنا .

في اليوم التالي، عندما جاء الأطباء لأداء جولتهم الصباحية، واجهتهم أمي وسألت عما إذا كنت مصاباً بسرطان الدم – لكنها قوبلت بمزيد من عدم اليقين من الأطباء.  وبعد بضعة أيام أخرى ممتلئة بالاختبارات والفحوصات تم تشخيص إصابتي بمرض سرطان دم عضلي حاد، وبدأتُ العلاج الكيميائي على الفور لإنقاذ حياتي، وبعد يومين فقط من مغادرة بيتي، تبين لي أنني سأخضع لفحص دوري منتظم، أوشكت أعصابي أن تنفلت وبدأت أشعر بالذعر فكل ما أريده هو أن أعرف متى سأتمكن من مغادرة المستشفى والذهاب للعب مع أبناء عمومتي من جديد. في تلك المرحلة شرحت لي أمي بعبارات بسيطة ما هو مرض سرطان الدم وما علينا أن نفعله للتخلص من هذا المرض.  لم تكن أمي تريد أن تتركني في الظلام ليدمرني من الداخل، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن تريد أن تخيفني بكلمات كبيرة، فأنا ما زلت طفلاً على أية حال.

 في غضون أسبوع واحد بعد هذه الفوضى، انتقلت مع أمي إلى مستشفى الأطفال في واشنطن العاصمة الأمريكية، وعلى الفور امتلأت غرفتي بالمستشفى بالأطباء والممرضات والأخصائيين الاجتماعيين.  كانت هذه بداية رحلتي الطبية التي دامت 3 سنوات. كنت أشعر بالبؤس والحزن في معظم أوقات هذه المدة على الرغم من الدعم القوي الذي أتلقاه من أسرتي ووالدتي التي ظلت بجانبي طيلة الوقت. لم أرى أصدقائي وأخواني وأبناء عمومتي لفترة طويلة، وشعرت بالعزلة بكل ما تعنيه الكلمة.  لم يكن لدي سوى أمي وجدتي فهما الشخصان الوحيدان الثابتان في حياتي، وكانتا هما الداعم الرئيسي الذي مكنني من اجتياز هذا المرض والبقاء قوياً.

 لا أتذكر الكثير مما حدث في المستشفى ولكن من أكثر اللحظات المؤلمة التي مررت بها وما زلت أتذكرها عندما كان عليهم وضع القسطرة، أتذكر جيداً الألم المبرح الذي شعرت به حتى لم أكن أقوى على الحديث مع والدتي. شعرت أنني لم أعد صبياً وأنني تحولت إلى إنسان آلي. كانت هذه أطول فترة تجاهلت فيها أمي. ثم اتصل بي أحد أعمامي من قطر فأشار إلى أن القوس الثابت على صدر الرجل الحديدي “ايرون مان” مماثل تماماً للقسطرة التي وضعتها لي الممرضات، وأن هذا القوس هو مصدر قوته وكذلك ستكون القسطرة بالنسبة لي هي سبب قوتي. ساعدتني كلمات عمي في تغيير الكيفية التي نظرت بها إلى إجراءات المستشفى؛ فلم تعد الإجراءات تخيفني، ولكنها ظلت مؤلمة، يبدو أنها لم تكن مخيفة كما كانت في السابق.

 عندما كنت في المستشفى، فقدت الكثير من شعري بسبب العلاج الكيميائي.  كانت خصلات من شعري تتساقط في حجري، وفي ذاك الوقت أخبرني عمى عن جون سينا وروك وهما المصارعان المفضلان لدي، وكلاهما أصلع.  فقال إن الصلع جعلهما أقوياء، وقد ساعدني هذا الحديث كثيراً خلال ذلك الوقت.  حتى أنني سمحت لرئيس قسم أمراض الدم في المستشفى بحلق رأسي.

أتذكر تماماً كل هذه الأوقات العصيبة ولكني في نفس الوقت أتذكر الأوقات الرائعة التي أمضيتها في المستشفى مع الممرضات اللاتي يعتنين بي والمهرج وراقصي الباليه الذين كانوا كثيراً ما يترددون على المستشفى لإسعاد المرضى. أتذكر ذات مرة عندما أخذ التفاعل مع موظفي المستشفى في التناقص، اخترعت أمي لعبة أطلقت عليها اسم “خمن الرقم”، حيث يخمن العاملون في المستشفى الرقم المطلوب كل يوم ، لتحصل أفضل التخمينات على جوائز. وقد شجع ذلك الموظفين على القدوم إلى غرفتي وشغلها بابتسامة على وجوههم أو ملاطفة مبهجة في الحديث معي، الأمر الذي رفع معنوياتي.  كانت هذه الروح المجتمعية التي ساعدتني وعائلتي على اجتياز المحنة.

 استطعت مصادقة بعض الأطفال في المستشفى، خاصةً هذا الصبي السعودي الذي تزامن دخوله إلى المستشفى مع الوقت الذي دخلت فيه، ولكن كانت هناك حادثة اضطرت فيها إحدى صديقاتي إلى بتر ساقيها وكانت صدمة كبيرة لي، مما منعني من التحدث مع أطفال المستشفى. ما زلت لا أفهم لماذا فعلت ذلك، لكنني شعرت براحة أكبر في التحدث إلى البالغين داخل المستشفى بعد تلك الحادثة.

 لم أتمكن من الذهاب إلى المدرسة أثناء العلاج الكيماوي لما تركه من آثار سيئة على جسديّ، ولكن كان لدي بعض المدرسين الذين كانوا يأتون إلى المستشفى للتدريس لي.  حتى في اللحظات التي لم أتمكن فيها من التحدث، كانت أمي تحثني على التعلم وإكمال دروسي. كنت أكره كل ثانية من ذلك الوقت، وكنت أحاول الاختباء تحت الحرام وأطلب من أمي أن تطلب من المعلم مغادرة المستشفى، ولكني الآن أدرك أهمية الاستمرار في التعليم.  قالت أمي إن الاستمرار في التعليم سيشعرني بأهمية هذه الفترة من حياتي وأنها فترة مؤقتة ستزول بعض قليل. لم أصدقها حينها ولكني الآن أتيقن من صحة كلامها.

   بعد أن انتهت أغلب جلسات العلاج الكيميائي، استأجرنا منزلاً ضخماً وانتقلنا إليه بدلاً من المستشفى لأنه لم يعد من الضروري البقاء فيه.  كان بالمنزل قبو كبير، حولته إلى ملعبٍ شخصي – كان لدي ألعاب فيديو ومساحة ضخمة للعب كرة القدم – كان منزلاً رائعًا!  ولكن هذا لم يدم طويلاً: فقد خضعت لمزيد من الاختبارات، الأمر الذي كشف عن وجود خلايا سرطانية في الدم ـ لم يكن العلاج الكيميائي يعمل كما تصورنا، كما اكتشف الأطباء أن العلاج الكيميائي لم يكن يحذف 5 q داخل الخلايا الجينية مما يعني أنني سأضطر إلى إجراء عملية زرع نخاع.  وبالتالي كان عليّ أن أخضع لجلستان أخيرتان من العلاج الكيميائي قبل إجراء عملية الزرع، والانتقال إلى المستشفى مرة أخرى.   من المؤكد أن البحث عن مضادات الكريات البيض البشرية المناسبة كان أسوأ فترة بالنسبة لأمي لأن أقاربنا وأصدقائنا في قطر لم يكونوا على علم بذلك، وحتى عندما خضعوا للاختبار، لم يكن هناك من يماثلني.  وذات يوم، أخبرنا الأطباء بأن هناك أم في تكساس تبرعت بدم الحبل السري، والذي يتطابق بشكل مدهش مع كرياتي من الدم البيضاء. أصبح لدي متبرع بخلايا جذعية من تكساس!
كانت الخطوات التالية قبل إجراء عملية الزرع هي الأسوأ، اضطررت لتحمل إشعاع كامل للجسم مرتين في اليوم ثم المزيد من جلسات العلاج الكيميائي قبل الاستعداد لعملية الزرع. ثم جاءت المضاعفات – وعمليات رفض متعددة لنخاع العظم المزروع أدرك جسمي أن النخاع العظمي الجديد غريب وقام بمحاربته. ومن ثم أعطاني الأطباء كميات كبيرة من المثبطات لمحاربة هذا الرفض بالإضافة إلى كثير من التوجيهات الصارمة. حيث يجب أن يكون كل غذائي مطهي جيدا، وكان لي ساعة لشرب زجاجة من الماء، لأنه بعد مرور ساعة، لم يعد شرب المياه آمنا بالنسبة لي. أثناء، هذه المحنة كانت أمي على دراية تامة بأهمية المتابعة مع طبيب نفسي حتى يهتم بصحتي العقلية.

 بعد الانتهاء من العلاج الطبي سجلتني أمي في مدرسة داخل الولايات المتحدة. كانت مشاعري إزاء العودة إلى المدرسة مختلطة. فقد فاتني اللعب مع الأصدقاء وفي نفس الوقت هذه البيئة مختلفة عما اعتدت عليه في قطر، كما أنني لا أبدو كطفل عادي.  كانت المثبطات التي أتناولها قد تسببت في الكثير من زيادة الوزن لذلك واجهت بعض السخرية والتنمر في المدرسة.
لم يسمح لي بعض الطلاب بالاشتراك معهم في لعب كرة القدم وهي رياضتي المفضلة، حتى بعض المعلمين لم يتفهموا موقفي وحالتي.  كان معلم التربية الرياضية يشعر بالإحباط إزاء عدم قدرتي على الركض أثناء فصول التربية الرياضية بسبب وزني الزائد ، لم يزعجني هذا بالقدر الذي أزعج أمي، قلت لها أن الأمر على ما يرام ولعبة كرة القدم لازالت تراودني  – كانت هذه هي الآلية التي أتعامل بها مع نفسي خلال إقامتي بالمستشفى. انتقلت إلى مدرسة أخرى نظرا لعدم تفهم الطلبة والمدرسين لحالتي وموقفي، وكانت بفضل الله المدرسة التالية أكثر تفهما. فبدلاً من جعلني أشعر بالإهمال، جعلوني أبرز بين الآخرين، وأتيحت لي الفرصة لمشاركة قصتي التي رحب بها الجميع، الطلاب والمعلمون على حد سواء. ساعدتني هذه المدرسة على تكوين أصدقاء كثر وشعرت وكأني عدت إلى موطن رأسي.

 لن أنسى فضل المستشفى والمدرسة، فالروح المعنوية التي كنت بها لعبت دورًا كبيراً في مساعدتي على الشفاء. ساعدتني بعض المنظمات مثل “ميك ويش” أو “تمنى أمنية” أن ألتقي بجون سينا، كما دعمتني المجموعات النسائية مثل مجموعة باندا على الوصول إلى حلول غير طبية لبعض المشكلات مثل الغثيان وصعوبات النوم. أتذكر أنني تلقيت حجراً سحرياً من بعض المنظمات جعلني أتغلب على الغثيان والتخلص منه. أدرك الآن أن هذا الحجر غير سحري ولكنه ساعدني حينها على التخلص من الغثيان. بالإضافة إلى ذلك كان هناك زوجين تطوعا لتصوير جميع الأطفال في المستشفى ثم إعطائنا هذه الصور، كان الأمر بمثابة لفتة طيبة لأنه كسر حاجز الألم واليأس المحيطان بجميع الأسر وأطفالهم. وبإزالة هذا الحاجز، شعرت انني سأتحسن في قطر وهو ما تحاول دائما الجمعية القطرية للسرطان أن تنفذه.

 بعدها رجعنا إلى قطر بعد عملية الزراعة، لكن كان علي العودة كل ستة شهور الى واشنطن لمواصلة العلاج وإجراء الفحوصات اللازمة، والحمد لله في الثاني عشر من يونيو 2020 احتفلنا بمرور خمسة سنوات على اجراء عملية زرع نخاع العظم_ حمسة سنوات خالية من السرطان أصرت أمي على الالتحاق بالجمعية القطرية للسرطان حتى أحكي قصتي للآخرين الذين قد يمرون بنفس المحنة.  توقعنا أن نرى أطفال قطريين وأسرهم يتلقون الدعم من المجموعات الداعمة ولكن الأمر لم يكن كذلك، حيث كان المغتربين هم المستعدون لعرض مشكلاتهم على الأخرين، لأن أمر السرطان ما زال موضوعاً محظوراٍ لدى المجتمع القطري، وبناء عليه حاولت أمي مساعدة الآخرين بأن رتبت لي تسجيل فيديو أتحدث فيه عن محنتي مع السرطان وكيف اجتزت هذه المرحلة وشرحت لهم كيفية تجاوز هذه المرحلة.

 حملتني هذه الرحلة على إدراك أنني أقوى مما أبدو عليه وأن أقدر مجهودات جميع من حولي لأن الحياة دائماٍ متقلبة ولا يمكن لإنسان أن يأمن نوائب الدهر. ممتن كثيراٍ لجميع الأطباء والممرضات والأخصائيين الاجتماعين وكل من قدم لي سبل المساندة والمساعدة في قطر والولايات المتحدة. جدير بالذكر أيضا أن أذكر بنك “بي أ ماتش” حيث يتيح للجميع أن يتبرعوا بدمهم حتى يساعدوا الأخرين عند حدوث أزمة، وهذا ما حدث لي بالضبط. فلو لم تتبرع الأم المقيمة في ولاية تكساس بمشيمة ابنها، لم يكن ليتسنى لي أن أجري عملية الزراعة، ولو أدرك كثير من القطريين بوجود هذا البنك سنسمع عن حالات تعافي أسرع مما نتخيل.

 وأخيرا وليس آخراً، وجهت والدة عبدالرحمن رسالتها للمجتمع قائلة “اختبر الله بمرض السرطان كثير من الأطفال ومنهم ابني، لم يفعلوا شيئاً للإصابة بهذا المرض ومن ثم لا يصح أن يظل موضوعاً محظوراً للحديث فيه، ينبغي أن يكون المجتمع أكثر تفتحاً حتى يصير تلقى الدعم من الآخرين أسهل وأيسر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Read more...

أنطوني ناجي من سرطان الدم : انتبه للعلامات قبل فوات الأوان

الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع حيث مشاركة الأصدقاء في لعبة كرة القدم وتناول الطعام سوياً، وعلو الضحكات والابتسامات والمزاح طول الوقت، يا لها من أيام سعيدة.. ولكن لماذا ينظر إلي أصدقائي باستغراب؟

خلال هذا الوقت وجد أنطوني نفسه ينظر إليه أصدقائه بإمعان، ويقولون له ” قد يبدو وجهك اليوم أصفر أكثر من أي وقت مضى، فضحك مازحاَ دون أن يبالي قائلاً ” ربما يعني أن وجهي به سمرة نتيجة التعرض لأشعة الشمس مما جعله ذهبي اللون، غير أن أصدقائه أعادوا تذكيره مرة أخرى بأنه كان يعاني الشهر الماضي من انقطاع النفس المتكرر وجسمه يتجه نحو الهزلان.. ونصحوه الذهاب لعيادة الطبيب.

في البداية ضحك أنطوني ممازحاً زملائه، ولكن سرعان ما فطن للأمر، متسائلاً مع حاله ” ولكن ماذا لو كان الأمر جاداً.. ووجهي حقاً يميل للون الأصفر؟، إذن علي الذهاب للطبيب، وبالفعل ذهب إلى المركز الصحي بصحبة أمه التي تقف إلى جانبه، قائلا ” لا بد أنها زيارة قصيرة لن تتجاوز الثلاثين دقيقة “، ولم يعلم أنطوني آنذاك أن القدر لن يقوده إلى منزله مرة أخرى قبل ثلاثة أشهر قضاها بين اختبارات معملية مختلفة وفحوصات بالأشعة فوق الصوتية وغيرها، ليعلم أنها ليست مجرد أنيميا، لتقوده روحه المخابراتية إلى البحث على جوجل حتى يستعد لسماع الخبر الذي لم يكن يتوقعه وهو” الإصابة بسرطان الدم “، ورسالتي للجميع أن ينبهون لعلامات جسدهم قبل فوات الأوان .

الساعة الآن الثانية صباحاً، رأسي ثقيل ، وجسدي متعب ، ولكني أريد أن أرتاح… أستريح …إنه حلم  ، استيقظت على صوت الأطباء يتحدثون حولي ، يشرحون التشخيص ويناقشون العلامات ويراجعون خيارات العلاج. فيقولون: ما زلت صغيرا، وممتلئ بالنشاط والقوة والحيوية، سيستطيع جسدك هزيمة السرطان، ستتحسن وتسترد صحتك.

بعد سماع هذه الأخبار، يتأكد لي ما قرأته على جوجل، أنظر حولي لأرى جميع أفراد أسرتي يقفون بجانبي، أمي وأبي.. أختي وعمي وعماتي وأبناء عمومتي – الجميع حاضرون لتشجيعي.

بدأ أنطوني يستعد للجولة الأولى من مرحلة العلاج الكيماوي، حيث بدا شعره بالتساقط شعرة تلو أخرى، إنها رحلة شاقة ولكن عليه التكيف معها، فكل جلسة من جلسات العلاج الكيماوي تأخذ منه بعض الوقت ليتقبلها ويتكيف معها تدريجاً ، آملاً أن تنبت بصيلات شعره من جديد لتبث الأمل في حياته المستقبلية وانتصاره على السرطان  .

كان يشعر بالغثيان، ويتزايد شعور اضطراب المعدة تدريجياً حتى يصل إلى الفم، أصبح هزيلا وبقوة جسمانية ضعيفة ،  ولكنه تحمل كل هذه الأوجاع  لأجل أن يعود لحياته الطبيعية مرة أخرى ليبني عضلاته الجسمانية ومستقبله المشرق الذي استمده من دفء وحنان أسرته ومعانقة والده , هذا الحضن يرد إليه روحه ونفسه .. يحتاج أي إنسان إلى هذا الحب والدفء والحنان ، ليمتلئ بالقوة والحماس وترتفع روحه المعنوية.

في تمام الساعة الخامسة كل صباح قصة جديدة وأساليب مبتكرة يتفنن فيها كل من حولي لمساعدتي على اجتياز هذه الأوقات العصيبة ” إنها حقاً أوقات عصيبة ” ، ففي الساعة الخامسة من كل صباح أنا مستعد  لسحب عينة الدم هو الأمر المتكرر الذي اعتدت عليه يومياً ،بمساعدة الممرض ابراهيم، فهو صديقي ورفيقي ومرشدي طوال هذه الرحلة ، استعد لتناول ” الكبة ”  التي أعدتها لي أمي ، لأنها أفضل من طعام المستشفى المعتاد. ثم تجرى مسابقة مع أختي لنرى من يستطيع شرب زجاجة مياه أسرع من الأخر، فأن يكون هدفك هو شرب 3 لتر مياه يوما يحتاج كثير من الإبداع. يلي هذا مباراة مثيرة مع أفضل الأصدقاء في لعبة الفيفا فهو لا ينهزم أبدا، لقد استمتعت بهذه الأشياء الجميلة التي تجلب لي السعادة، وتساعدني على تمضية الوقت بمزيد من الإيمان والشجاعة.

وخلال جلسات الكيماوي الستة المتتالية ، بدى لي  أنني أقوى وأكبر وأكثر حكمة ، كان هذا فصل أخر في الحياة، وقد بدأت أشعر بالتحسن وأعود إلى طبيعتي ، كان لدي الوقت الكافي للتفكير في كيفية استعادة حياتي الطبيعية مجدداً  بعد توقف كل شيء ، فالحياة  مستمرة ولم تنتهي ولكنها بحاجة لمزيد من التدبر والتفكير ، تتطلع لمستقبلك ، تبني علاقات دائمة طويلة المدى مع أصدقائك وأسرتك؛ فهم من سيساعدونك لتسترد نشاطك وتألقك ،  الأفضل أن تفكر في برنامجك المدرسي وفي أي اتجاه ستذهب، عليك أن تفكر في السماء التي ستحلق فيها عندما تصبح طياراً ، ولا تترك السرطان يأكلك، خذ هذا الوقت للتحسن والتفكر.

يااااااااه، لقد حان الوقت للذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية

Read more...